بعد مرور أربع سنوات على الحرب الروسية الأوكرانية، تتكشف كلفة اقتصادية باهظة لا تقتصر على ساحات القتال، بل تمتد إلى عمق الاقتصاد الأوروبي، مثقلة الموازنات، ومربكة أسواق الطاقة، ودافعة القارة نحو تحولات هيكلية غير مسبوقة. يقدر تقرير دولي مشترك أعدته الحكومة الأوكرانية والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة كلفة إعادة إعمار أوكرانيا بنحو 500 مليار يورو على مدى 10 سنوات، وهو رقم يعادل ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في العام الماضي.

وفق التقرير، تتركز الأضرار والاحتياجات في المناطق القريبة من خطوط المواجهة والمدن الرئيسية، مع توقع استمرار التداعيات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية لأجيال. وتُعزى الأضرار المباشرة، التي بلغت نحو 152 مليار يورو، بشكل أساسي إلى القصف وتدمير البنى التحتية، حيث سُجلت 82% من إجمالي الخسائر في الأقاليم الواقعة على خطوط التماس والمناطق الحدودية.

وتحتاج العاصمة كييف، التي يقطنها نحو 3 ملايين نسمة، إلى قرابة 13 مليار يورو لإعادة الإعمار، مما يعكس اتساع نطاق تأثير الحرب.

خسائر أوروبا

لم تبق ارتدادات الحرب داخل الحدود الأوكرانية، بل أصابت الاقتصاد الأوروبي، خاصة قطاع الطاقة الذي اعتمد لعقود على إمدادات روسية وفيرة ومنخفضة التكلفة.

قبل الحرب، كانت روسيا المورد الخارجي الأول للنفط والغاز إلى أوروبا، وكان الغاز الروسي يؤمن نحو 40% من احتياجاتها. اليوم، لا تتجاوز هذه النسبة 8%، مما أنهى عمليًا حقبة الطاقة الرخيصة في القارة.

وبحثت الدول الأوروبية عن بدائل في أسواق عالمية أكثر تنافسية، لكنها واجهت فواتير أعلى وتحديات لوجستية واستثمارية معقدة، بعدما بُنيت تنافسيتها الصناعية على تدفقات غاز مستقرة ورخيصة.

وخلال السنوات الأربع الماضية، قفزت أسعار الغاز إلى مستويات غير مسبوقة، أحيانًا ارتفعت إلى 10 أضعاف متوسطها قبل الحرب. انعكس ذلك مباشرة على تكاليف الإنتاج وأسعار السلع والخدمات، محولًا صدمة الطاقة إلى موجة تضخم واسعة.

تجاوزت معدلات التضخم في دول الاتحاد الأوروبي 9% خلال العام الأول من الحرب، قبل أن تنجح الحكومات والبنوك المركزية في احتوائها تدريجيًا بعد تدخلات مكثفة. وللتخفيف من وقع الغلاء، خصصت دول الاتحاد نحو 800 مليار يورو في صورة منح وقروض ودعم مباشر لأسعار الكهرباء والغاز، لحماية الأسر والشركات.

ضغط على المالية العامة

رفعت هذه التدابير الضغط على المالية العامة، خاصة مع زيادة الإنفاق الدفاعي بنسبة 50% مقارنة بما قبل الحرب، استجابة لمخاوف أمنية متصاعدة.

قدم الاتحاد الأوروبي دعمًا مباشرًا لأوكرانيا بلغ نحو 190 مليار يورو، شمل مساعدات مالية وعسكرية، مما أعاد رسم أولويات الإنفاق في العواصم الأوروبية.

ساهمت هذه التطورات في قفزة ملموسة في الدين الحكومي لدول الاتحاد، الذي ارتفع من نحو 12 تريليون يورو عام 2021 إلى قرابة 15 تريليونًا، مما يعكس اتساع الفجوة بين الإيرادات والالتزامات المتزايدة.

استمر العجز المالي في العديد من دول الاتحاد فوق السقف المحدد عند 3% من الناتج المحلي، نتيجة ضغوط الإنفاق على الطاقة والدفاع والدعم الاجتماعي. ورغم أن أوروبا نجحت في تفادي انهيار اقتصادي شامل وأمنت بدائل للطاقة الروسية، فإن المؤشرات تكشف عن تحول بنيوي في اقتصاد القارة، يتسم بارتفاع الكلفة وتنامي دور الدولة في توجيه الأسواق.

أصبح هاجس الأمن، سواء الطاقي أو العسكري، محدداً رئيسياً للسياسات الاقتصادية، في وقت تتراجع فيه بعض ركائز النمو التقليدية القائمة على الطاقة الرخيصة والعولمة المفتوحة. وسيواجه صناع القرار تحديات مستمرة في الموازنة بين الأعباء المتزايدة والضرورة الاقتصادية في الفترة القادمة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version