يُبهر فيلم “القيمة العاطفية” (Sentimental Value)، للمخرج النرويجي يواكيم ترير، الجمهور والنقاد على حد سواء، مرشحًا لتسع جوائز أوسكار رئيسية، مما يثير اهتمامًا كبيرًا حول هذا العمل السينمائي الذي يستكشف أعماق العلاقات الأسرية. يستعرض الفيلم قصة المخرج غوستاف، الذي يعود لإخراج فيلم جديد بعد توقف دام خمسة عشر عامًا، مصرًا على أن تقوم ابنته الكبرى، نورا، التي تعاني من رهاب المسرح، ببطولة هذا العمل. يتشابك مصير العائلة مع قصة المنزل الذي شهد ذكرياتهم، حيث تتكرر عناصر البداية في النهاية بعد رحلة أسرية عنيفة ومليئة بالصدمات.
ترشيحات الأوسكار التسع، بما في ذلك ترشيحات لأفضل مخرج وأفضل سيناريو أصلي، وأربع ترشيحات لأداء الممثلين الرئيسيين، تسلط الضوء على القيمة الفنية الاستثنائية للفيلم. ريناتا رينسف تجسد دور نورا ببراعة تستحق ترشيح أفضل ممثلة، بينما يؤدي ستيلان سكارسجارد دور الأب غوستاف ببراعة مرشحة لأفضل ممثل. كما تحظى إنجا إبسدوتر ليلياس وإيلي فايننج بترشيحات لأفضل ممثلة مساعدة، مما يؤكد على قوة الأداء الجماعي في الفيلم.
الأبوة في محور “القيمة العاطفية”
يتناول فيلم “القيمة العاطفية” موجة من الأفلام التي ترتكز على مفهوم الأبوة، ليس فقط كشخصية رئيسية، بل كبناء فكري ونفسي ومادي للأحداث. يتجلى الأب في الفيلم كسؤال وحدث وذاكرة، مرتبطًا بالبيت رغم غيابه الطويل. صوت الراوية، الذي ينسج خيوط الحكاية، يضيف بعدًا آخر، معبرًا عن صوت البيت نفسه الذي يحكي شهادته عن الأجيال والأحداث التي مرت به، بدءًا من الأجداد وصولًا إلى حياة غوستاف الطفولية ومشهد انتحار أمه المفاجئ.
يشكّل غياب الأب لأسباب تتعلق بعلاقته غير المستقرة بزوجته، الأم التي توفيت، بداية لسلسلة من الاحتكاكات العنيفة بينه وبين بناته، خاصة نورا. المنزل، الذي افتقد صوت الأب، يصبح مجازًا لحياة نورا الخالية من الرجال بشكل صحي. علاقتها مع زميلها في المسرح، التي تتسم باللامبالاة الظاهرية، تعكس موقفها تجاه الرجال بشكل عام، وهو ما يترجمه السيناريو في حوار الأب عن صعوبة عثور المرأة الغاضبة على الحب، مما يشير إلى نشأة نورا كفتاة وابنة غاضبة.
في لعبة “الكراسي الموسيقية” الدرامية، يحاول الأب استبدال ابنته نورا بابنة أخرى داخل الفيلم الذي يصنعه، حيث يقنع الممثلة الشابة كيم ريتشيل بلعب دور البطولة في فيلمه الأخير، المستوحى من شخصية والدته المنتحرة. هذا الاستبدال يعكس محاولة الأب لتحفيز نورا على قبول الدور وفي نفس الوقت تقبل عودته لحياتها، مما يؤدي إلى صراع باطني يتصاعد في الفيلم.
صراع الأب والابنة: لعبة الكراسي الموسيقية
تتجسد لعبة “الكراسي الموسيقية” في محاولة الأب غوستاف تحفيز ابنته نورا على أداء الدور الرئيسي في فيلمه الأخير، وفي الوقت ذاته، تقبل عودته إلى حياتها وحياة أختها. يتصاعد هذا الصراع الباطني تدريجيًا، لا سيما مع دخول الممثلة كيم إلى المنزل لإجراء البروفات. تكتشف نورا لاحقًا أن إيهام كيم بأن الكرسي الذي تجلس عليه هو نفسه الذي استخدمته والدتها للانتحار كان مجرد حيلة من والدها لإلهائها.
في نهاية المطاف، تقبل نورا أداء الدور بعد أن تدرك كيم أنها كانت مجرد حافز لجمع شمل العائلة، فتنسحب. ينتهي الفيلم بنورا وهي تدخل إلى ديكور يحاكي شكل البيت العائلي الأصلي، وتضع الكرسي أسفل السقف وتغلق الباب، مما يشير إلى نجاح لعبة “الكراسي الموسيقية” وجلوسها على نفس المقعد الذي جلس عليه مجازيًا كيم، وأمامه انتحرت الأم. لكن هذه المرة، لن ترحل نورا عن غوستاف، بل ستمضي حياتهما جنبًا إلى جنب.
يتمحور الفيلم حول سؤال الأبوة، حيث يلقي غوستاف باللوم على نفسه قائلاً: “كالعادة كل خطأ يلقى على الأب”. هذه الجملة تجسد جانبًا من بوصلة سؤال الأبوة في الفيلم، وتؤكد على أن الفيلم لا يدافع عن صورة الأب بل يحاكمه ككيان مستقل له ميزاته وعيوبه. إن سر مغادرة الأب للبيت يظل غامضًا، مرتبطًا بذكريات عن شجارات وعنف مستمر مع الأم.
تتسق جماليات الحكي في الفيلم مع أسلوب ترير في أنسنة البيت، حيث تظهر النوافذ في الافتتاحية كعيون واسعة تنظر إلى ساكنيه. تستمر هذه الأنسنة لتشمل حتى الغضب، حيث يرفع الأب إصبعًا بذيئًا نحو البيت، مما يعكس حضور البيت كروح حية. ضمن مسرحية “ميديا” التي تؤديها نورا، تصرخ بعبارة: “لقد استضفت أطفالك في منزلي ورغم ذلك شهدت ضدي”، وهي عبارة قد تكون بمثابة رد من البيت على الأب. هذا الاختيار الدرامي يؤكد على ثراء بناء الفيلم.
“القيمة العاطفية” كهدف وجودي
يشير عنوان الفيلم، “القيمة العاطفية” (Sentimental Value)، إلى أهمية القيم العاطفية كهدف في حد ذاته، سواء في العلاقات الأسرية، أو حتى في الحزن والفقدان. يتساءل الفيلم عن سبب انتحار والدة غوستاف رغم وجود طفل، ليجيب غوستاف بأن هذا ربما هو سؤال الفيلم نفسه. ربما أراد غوستاف من استدعاء هذه الواقعة إلى السيناريو أن يتصالح معها، وأن يبوح لابنته بحبه لها، ويوضح لها وجهة نظره في القيم العاطفية، التي ربما أدت إلى انفصالهما.
لا تقتصر التجربة على سؤال الأبوة، بل تمتد لتشمل البحث عن الدفء، ومواجهة الخذلان، وضرورة البوح بما يثقل الروح. يعد فيلم “القيمة العاطفية” تجربة سينمائية مميزة ذات عمق شعوري ونفسي، تستحق أكثر من مشاهدة وقراءة، سواء من منظور اجتماعي، نفسي، أو فكري.


