بعد مرور عشرة أشهر تقريبًا على مشاهدة فيلم “Sinners” للمرة الأولى، بقي انطباعي عنه فيلماً مسلياً للغاية، يثير إحساسًا غريبًا بالمتعة المحرمة. هذا الإحساس ليس نابعًا من موضوع الفيلم فقط، بل من مزيجه الفريد بين الموسيقى والأغاني الجميلة ومشاهد مصاصي الدماء المرعبة والصادمة.
لم يتغير هذا الانطباع كثيرًا عند إعادة مشاهدة الفيلم بعد أشهر، حيث اكتسب شهرة واسعة وترشيحات قياسية لـ 16 جائزة أوسكار، محققًا رقمًا لم يسبق له مثيل في تاريخ السينما.
هل يستحق “Sinners” أوسكار؟
يبقى “Sinners” فيلماً ممتعًا ومرعبًا، ولكنه يثير تساؤلات حول ما إذا كان حقًا أفضل أفلام عام 2025. هل يستحق هذا العدد الكبير من الترشيحات، واحتمالية تحقيقه رقمًا قياسيًا من الجوائز ليصبح ضمن أعظم أفلام السينما؟
للنظر في تاريخ الأفلام التي حصلت على أكبر عدد من الترشيحات أو الجوائز، نجد أن أفلامًا مثل “All About Eve” و”Titanic” و”La La Land” حصلت على 14 ترشيحًا. ورغم تقديري لبعضها، لا أعتبر أيًا منها ضمن أفضل 100 فيلم في التاريخ.
أما الأفلام الحائزة على أكبر عدد من جوائز الأوسكار، مثل “Ben-Hur” و”Titanic” و”Lord Of The Rings: The Return Of The King” (11 جائزة لكل منها)، فلا يزال معظمها بعيدًا عن قوائم أفضل 100 فيلم.
مع ذلك، قد يحصد “Sinners” نصيب الأسد في حفل الأوسكار هذا العام. أحد الأسباب هو قلة المنافسة الحقيقية، باستثناء “One Battle After Another” الذي قد يواجه جدلًا بسبب محتواه الثوري. فيلم “Hamnet” رغم جماله البصري وأداء ممثلته، يوصف بالثقيل والمتكلف، بينما “The Secret Agent” عمل أجنبي مميز ولكنه قد لا يحظى بنفس القدر من الاهتمام.
حسنات ومزايا “Sinners”
لا يعني كل ما سبق أن “Sinners” يخلو من الحسنات الفنية والفكرية. فكون الفيلم مسليًا لا يعني بالضرورة أنه ممتاز، والعكس صحيح. يتوقف نجاح الفيلم على فصل عناصره وتقييمها.
يعتمد الفيلم في جذب المشاهدين على عنصرين أساسيين: الموسيقى الشعبية والرعب. يضاف إلى ذلك، معالجة الفيلم لمعاناة الأمريكيين الأفارقة في فترة ثلاثينيات القرن الماضي، وتنامي العنف ضد الأقليات الملونة، وتمثيل هذه الأقليات لهويتها.
يبدأ “Sinners” بحكاية أسطورية أفريقية عن قدرة الموسيقيين الموهوبين على فتح البوابة بين عالمي الأحياء والأموات. هذه النواة تتجسد في قصة مراهق موهوب موسيقيًا، ابن قس محافظ، يذهب لإحياء حفل افتتاح ملهى جديد، ليجد نفسه في مواجهة مع أحد أتباع الشيطان، وهو مصاص دماء، يسعى لامتلاك روحه.
توليف وتأليف في “Sinners”
هذه الفكرة الأولية ليست سوى الشرارة التي ينطلق منها الفيلم، الذي يعتمد على توليف بين عناصر عديدة، مع قدر قليل من التأليف الأصيل، ليقدم عملاً مختلفًا.
يعترف المخرج وكاتب الفيلم، رايان كوجلر، بتأثره بأعمال كويننتن تارانتينو وروبرت رودريجيز، خاصة فيلم “From Dusk Till Dawn”، الذي مزج بين نوعين فنيين مختلفين. كما استلهم كوجلر عناصر من فيلم “The Faculty” في مزجه لأفلام الطلبة والخيال العلمي والرعب، مع التركيز على شخصية المراهق الرئيسية.
مصدر إلهام آخر لكوجلر هو فيلم “Get Out” لجوردان بيل. يربط هذا الفيلم بين العبودية واضطهاد الأمريكيين الأفارقة ومصاصي الدماء، من خلال قصة خيالية تتناول قوى خفية تستغل الشباب. يعيد كوجلر تدوير هذه الفكرة في “Sinners” عبر شخصية الشيطان وأتباعه البيض، بينما يمثل الأمريكيون الأفارقة والسكان الأصليون الضحايا أو المتصدين لهم.
ترفيه له معنى
يواصل كوجلر استلهام أنواع فنية وأساليب مخرجين آخرين لصناعة تركيبته الفريدة، التي تجمع بين الفيلم الملحمي والفيلم الغنائي الاستعراضي. هذا الخليط، بالرغم من كونه مألوفًا وغريبًا في آن واحد، متجانس وممتع.
يجيد كوجلر صناعة الأفلام الترفيهية ذات الجماهيرية الواسعة، ولكن ما يميزه هو قدرته على إضفاء معنى ومضمون على هذا الترفيه. أبرز مثال على ذلك فيلما “Black Panther” و”Black Panther: Wakanda Forever”، اللذان لم يحققا نجاحًا تجاريًا فحسب، بل حمّلهما كوجلر بمضامين “إفريقية” و”دينية” و”أنثروبولوجية” تخاطب الأجيال الجديدة.
“Sinners” يحمل طبقات من الأفكار، منها الأسطورة الشعبية عن الموسيقى وقدراتها الروحية. تتلامس هذه الفكرة مع بعض الأفكار الدينية التي تنظر بريبة للموسيقى، لقدرتها على الإصلاح أو الإفساد. فالموسيقى يمكنها أن تسمو بالفكر، ولكنها أيضًا قد تثير الحواس.
ولدت موسيقى الأمريكيين الأفارقة في كنائسهم، متأثرة بإيقاعات أفريقية قوية، بينما موسيقى “الريف” الأمريكي نشأت من ألحان ناعمة ومحتشمة، رغم ارتباطها بتاريخ الرجل الأبيض من إبادة وعنصرية. يلعب “Sinners” ببراعة على الجدل بين هذين النوعين الموسيقيين.
ينتقل كوجلر من الجانب الأنثروبولوجي والديني إلى النفسي عبر جو الرعب الذي يهيمن على الفيلم. يبدأ الرعب كخلفية غير منظورة، ثم يجتاح المشهد مع بداية الحفل والموسيقى، وكأنها استحضرت الأشباح والشياطين الداخلية للشخصيات، متمثلة في العنف والإبادة التي تهدد الأقليات. هذا الرعب ينعكس على الشخصيات البيضاء التي تخشى الحضور الموسيقي والثقافي الأفريقي.
الرعب كمجاز سياسي
الرعب هنا هو مجاز نفسي للوضع الإنساني والاجتماعي، وللعنف الممارس على الشخصيات أو الممارس من قبلها. ينبع الرعب في الفيلم من هذا الواقع النفسي/ الاجتماعي/ السياسي، ولا يأتي من فراغ كما في معظم أفلام الرعب التجارية.
يستغرق كوجلر حوالي 40 دقيقة من زمن الفيلم الطويل (140 دقيقة) لتمهيد ظهور الرعب. يتعرف المشاهد على الفترة التاريخية ونمط الحياة في مدينة ريفية يسكنها أقلية سوداء، قريبة من مستوطنة للسكان الأصليين، ومحاطة بالغزاة البيض.
بطلا الفيلم هما توأمان، يؤدي دورهما مايكل جوردان، وهما عضوان سابقان في عصابات شيكاجو. يعودان إلى قريتهما في المسيسيبي لتحسين حياتهما، ويحلمان بتأسيس ملهى للترفيه خاص بالسود. لكن المناخ المحيط بهما، وبمجتمعهما الأسود، قمعي وعنصري ومهدد.
لوحة كئيبة
“Sinners” يرسم لوحة داكنة كئيبة للفترة التاريخية، يغلب عليها اللون الأحمر والأسود والأصفر. بجانب شخصيتي التوأم، هناك العديد من الشخصيات المكتوبة جيدًا، والتي يؤديها فريق تمثيلي بارع، يشكلون معًا فرقة متناغمة تعزز قيمة الفيلم ومستواه الفني.
يستخدم كوجلر أسلوبًا كلاسيكيًا في الإخراج، وفقًا للمدرسة الأمريكية في الأفلام الملحمية، مع شاشة عريضة واستعراض للطبيعة. هذه المسافة الموضوعية بين المشاهد والرعب تجعل الرعب حضوريًا عقليًا أكثر منه جسديًا، ما يسمو بالفيلم فوق “الاستغلال” الذي تمارسه أفلام الرعب التجارية.
في الختام، قد لا يرقى “Sinners” لمصاف الأعمال العظيمة التي تبقى للأجيال القادمة، أو لمستوى “One Battle..”، “The Secret Agent”، أو “Sentimental Value”. لكنه فيلم “عصري” جدًا، مناسب للمرحلة وجمهورها. بالنظر إلى مستوى الأفلام المنافسة، ربما تكون ساعة حظه قد دقت بقوة ليكتسح جوائز الأوسكار القادمة.


