كشف علماء عن آلية فيزيائية حيوية معقدة تستخدمها بكتيريا السل، وهي المسبب الرئيسي لمرض السل الذي يودي بحياة أكثر من مليون شخص سنوياً، للاختباء والبقاء على قيد الحياة داخل خلايا الجهاز المناعي البشري. هذا الاكتشاف، الذي نوقش في الاجتماع السنوي السبعين لجمعية الفيزيائيين الحيويين في سان فرانسيسكو، قد يفتح آفاقاً جديدة لتطوير استراتيجيات علاجية مبتكرة لمواجهة هذا المرض المعدي الفتاك.

السُّل: تهديد مستمر واستراتيجية بكتيرية خفية

يمثل مرض السل، الناجم عن عدوى المتفطرات (Mycobacteria)، أزمة صحية عالمية قائمة، خاصة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. على الرغم من توفر العلاجات لعقود، فإن طول مدة العلاج وظهور سلالات مقاومة للمضادات الحيوية يعيقان جهود القضاء عليه. تركز هذه الدراسة الجديدة على آلية دفاعية غير تقليدية تستخدم فيها البكتيريا جزيئات دهنية متخصصة للتلاعب بأغشية الخلايا المناعية.

تستهدف بكتيريا المتفطرات بشكل خاص الخلايا البلعمية، وهي خلايا مناعية مخصصة لابتلاع الكائنات المسببة للأمراض والقضاء عليها. إلا أن هذه البكتيريا طورت آليات للتسلل إلى هذه الخلايا وتجنب تدميرها.

وأوضح أيوش باندا، المؤلف المشارك في الدراسة والباحث بالمعهد الوطني للتعليم والبحث العلمي في الهند، أن دوافعه للبحث تأتي من الانتشار الواسع للمرض في وطنه، حيث كان يتساءل باستمرار عن كيفية استمرار هذه الأوبئة. يأتي هذا البحث في سياق ما وصفه بـ “الآلية الفيزيائية الحيوية الأنيقة” التي تسمح للبكتيريا بإعادة تشكيل البنية المعمارية للخلية المضيفة.

يشير الاكتشاف الرئيسي إلى أن المتفطرات تطلق حزمًا دقيقة من الحويصلات خارج الخلية (extracellular vesicles). هذه الجسيمات الصغيرة، المحاطة بغشاء، تندمج مع أغشية الخلايا المناعية وتحمل معها دهونًا متخصصة. هذه الدهون تغير الخصائص الفيزيائية لغشاء الخلية المناعية، مما يجعله أكثر صلابة وتماسكاً.

في الوضع الطبيعي، تقوم الخلية المناعية باحتجاز البكتيريا داخل جسيم بلعمي (phagosome). ثم يندمج هذا الجسيم مع جسيم حال (lysosome) يحتوي على إنزيمات هاضمة لتدمير البكتيريا. لكن الصلابة المتزايدة التي تحدثها دهون المتفطرات في غشاء الجسيم البلعمي تعيق عملية الاندماج هذه، مما يوفر للبكتيريا ملاذاً آمناً داخل الخلية.

ولم يقتصر تأثير هذه الحويصلات على الخلايا المصابة مباشرة؛ فقد وجد الباحثون أنها قادرة على التأثير في الخلايا المناعية المجاورة، مما يضعفها قبل حتى تعرضها المباشر للبكتيريا، وهذا قد يساهم في انتشار العدوى.

تختلف هذه الدراسة عن الأبحاث السابقة التي ركزت على البروتينات التي تتلاعب بها البكتيريا، حيث تركز هذه المقاربة الجديدة على دور الدهون في هذه العملية. وقد أظهرت النتائج أن مجرد إدخال دهون المتفطرات في أغشية تحاكي الجسيم البلعمي يكفي لإحداث خلل وظيفي في الجهاز المناعي.

اكتشف الباحثون أيضاً أن هذه الاستراتيجية قد لا تقتصر على المتفطرات. فقد رصدوا تأثيرات مماثلة في بكتيريا أخرى مثل “الكليبسيلا الرئوية” (Klebsiella pneumoniae) و”المكورات العنقودية الذهبية” (Staphylococcus aureus)، مما يشير إلى أن التلاعب بأغشية الخلايا قد يكون سلاحاً تطورياً شائعاً بين البكتيريا المسببة للأمراض.

أخيراً، تفتح هذه النتائج الباب أمام مسارات علاجية جديدة. يمكن استهداف البروتينات المشاركة في إنتاج هذه الحويصلات البكتيرية، أو تطوير مركبات مضادة لزيادة صلابة الأغشية. كما أوضح باندا، “الآن بعدما فهمنا كيف تحمي البكتيريا نفسها، يمكننا البدء في البحث عن طرق لإيقافها.”

ما الخطوة التالية؟

تتجه الأبحاث المستقبلية نحو تطوير مثبطات لإنتاج الحويصلات البكتيرية أو لتأثير الدهون فيها. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات، نظراً لتنوع البكتيريا وقدرتها على التكيف، ويتطلب فهم استراتيجياتها المتطورة جهوداً بحثية مستمرة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version