في أزقة قطاع غزة المكتظة، وبين ظلال مراكز الإيواء، لا يُسمع سوى همسات الفتيات وعلائم تركيزهن على لوحاتهن، بينما يخترق صوت الطائرات الصمت. هنا، يتحول الفن من هواية إلى ملاذ ضروري، ومن مجرد تلوين إلى ترجمة مكبوتة لمشاعر أثقل من أن تُقال. إنها “أرجوان الأمل”، مبادرة نسجت خيوطها من ألوان الإكريليك لترسم طريق النجاة النفسية للشابات في غزة.

“أرجوان الأمل”: بوح الألوان في وجه الألم

تجسيد لوحة الأمل، هو الاسم الذي تحمله مبادرة تطوعية شبابية تنطلق من مدينة غزة، ساعية لتوفير مساحات آمنة للفتيات اليافعات للتعبير عن أنفسهن من خلال الفنون. في أجواء يلفها الخوف والفقد والحرمان، وجدت الفتيات في الألوان لغة بديلة، تعكس ما تعجز الكلمات عن وصفه.

منسقة فريق “أرجوان”، مروج الجرو، تشرح لـ “الجزيرة” أن الفكرة ترتكز على “خلق مساحات نفسية آمنة” للفتيات بين 14 و17 عامًا، وتمكينهن من المشاركة في أنشطة فنية تعكس واقعهن. ترى الجرو أن هذه المبادرات تأتي كاستجابة لحاجة نفسية ملحة لدى الفتيات، اللواتي يحملن مشاعر مكبوتة لا يجدن متنفسًا لها.

فالتجربة الفنية هنا لا تقتصر على إنتاج لوحات جميلة، بل تتجاوز ذلك لتصبح عملية إعادة ترتيب للمشاعر الداخلية. فلكل لون داكن قصة خوف، ولكل خط متردد حكاية مؤجلة، وكل بياض يتحول إلى مساحة اعتراف، وكل لون هو تفريغ صامت للألم.

جناح الأمل: رمزية الهروب والنهوض

في قلب إحدى اللوحات الجماعية، يبرز جناح أبيض واسع، يرمز لا إلى الطيران فحسب، بل إلى حاجة نفسية ماسة للهروب المؤقت من ثقل الواقع. تحيط به ألوان متناقضة، كأنها تعكس اضطراب الداخل الإنساني.

تزين اللوحة مقولة الشاعر إيليا أبو ماضي: “لو أن الأمل يرى، لأهديتك منه جناحا تطير به فوق كل ألم”. هذه الكلمات ليست مجرد زخرفة، بل تعبير مباشر عن الأمل كأداة للنجاة. كما تظهر صورة “العنقاء” بشكل متكرر، ترمز إلى الرغبة في النهوض من الرماد.

مساحة آمنة: فن كأداة مقاومة نفسية

منسقة فريق “أرجوان”، مروج الجرو، تؤكد أن الهدف الأسمى للمبادرة هو توفير “مساحة آمنة، بلا ضغط، وبلا تقييم”، لتمكين الفتيات من إعادة ترتيب مشاعرهن وبناء الثقة بأنفسهن. النشاط يبدأ بجلسات نقاش، لكن الجوهر يكمن في التفاعل، الضحك، الصمت، والشعور بالأمان داخل مجموعة تشبههن.

الفنانة التشكيلية فرح عجور، 19 عامًا، تشارك تجربتها، موضحة: “في فترة النزوح الثانية، كنت أعيش ضغطًا نفسيًا شديدًا، طاقتي كانت منطفئة، ولم أعد قادرة على التعبير عما بداخلي”. تجربتها مع الورشة منحتها الشعور بالأمان، وأكدت لها أن ما تشعر به مشترك ومفهوم.

ترى فرح أن الفن في غزة ليس رفاهية، بل وسيلة “مقاومة نفسية”. المبادرات، رغم بساطتها، تلامس واقع الناس وتترك أثرًا حقيقيًا، محولة المشاعر المكبوتة إلى رسائل بصرية.

حلم أمل: اكتشاف الذات وسط الظروف الصعبة

الطالبة أمل درويش، 17 عامًا، وصفت تجربتها بأنها كانت قبل انضمامها لـ “أرجوان” تفتقر لمساحة آمنة للتعبير. “كانت أفكاري مشتتة، وأشعر أنني أحمل أشياء لا أعرف كيف أخرجها”.

انضمامها للأنشطة الفنية غيّر نظرتها لنفسها، وجعلها “أكثر تفاؤلًا”. الرسم ساعدها على فهم مشاعرها، وقال: “هذه المساحة مهمة لكل فتاة تشعر أن بداخلها شيئًا يريد أن يقال”.

نجاة نفسية: الفن كأداة أساسية للبقاء

يؤكد ياسر أبو جامع، مدير برنامج غزة للصحة النفسية، أن الفن في سياق الحرب لم يعد ترفًا، بل أصبح “وسيلة إنقاذ نفسي”. فهو يساعد الفتيات، اللواتي يجدن أنفسهن محاصرات بخسارات متراكمة، على تنظيم مشاعرهن ومنحهن إحساسًا بالسيطرة في واقع فقدن فيه كل شيء تقريبًا.

يمسك الفتاة بالفرشاة أو القلم، لا تخلق عملًا فنيًا فحسب، بل “تعيد ترتيب فوضى داخلية، وتمنح نفسها لحظة تنفس وسط الاختناق اليومي”.

تستمر مبادرات مثل “أرجوان” في توفير بصيص أمل في ظل الظروف القاسية، مع استمرار التساؤل حول مدى الدعم المستدام لهذه البرامج ودورها في تعزيز الصحة النفسية طويلة الأمد للشباب في غزة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version