مع حلول شهر رمضان المبارك عام 1447هـ الموافق 2026م، تستعيد سوريا أجواءها الروحانية الفريدة، مع إقبال ملحوظ على المساجد لصلوات التراويح والقيام، حيث تحرص العديد من بيوت الله على ختم القرآن الكريم كاملاً. تأتي هذه العودة بعد سنوات من التحديات، وتشهد المساجد تنظيماً جيداً وأصواتاً مؤثرة تعزز الروابط الإيمانية والاجتماعية.
أطلقت وزارة الأوقاف السورية حملة “إيمان يجمعنا” لهذا العام، والتي تتضمن ختمات كاملة للقرآن في عشرات المساجد عبر محافظات مختلفة، إلى جانب برامج تعليمية ودروس دينية. يبرز في هذا السياق خمسة مساجد أئمة في دمشق وحماة وإدلب، تتميز بتاريخها، وأصوات أئمتها، وشهرتها بالإقبال الكثيف.
الجامع الأموي
يُعد الجامع الأموي الكبير في دمشق صرحاً تاريخياً وروحانياً عريقاً يعود تاريخه لأكثر من 1300 عام. بُني الجامع في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بين عامي 705 و715م، وكان في الأصل معبداً آرامياً ورومانياً وكنيسة قبل تحوله إلى مسجد بعد الفتح الإسلامي. تعرض الجامع لحرائق عدة وأجريت له ترميمات، وهو مدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو.
يحتل الجامع الأموي مكانة خاصة كوجهة لأهل الشام والزوار من مختلف أنحاء العالم، ويشهد إقبالاً هائلاً خلال شهر رمضان، حيث تُقام صلاة التراويح بعشرين ركعة مع ختم كامل للقرآن. يُعرف إمامه الشيخ عمر الصغير بتلاواته الندية وصوته العذب، ويُعد من الأئمة التاريخيين الذين لا يزالون يتمتعون بتأثير روحي واسع.
وصرح الشيخ عمر الصغير في تصريح للجزيرة نت أن الجامع الأموي “قبلة أهل الشام” ويقصده الناس من شتى بقاع الأرض، معرباً عن أمله في أن يعين الله على الصيام والقيام وتلاوة القرآن. وأكد على عظمة شهر رمضان وأهمية إحسان الناس بعضهم إلى بعض وتكاتف القلوب، مما يعكس دوره في تعزيز الروابط الاجتماعية والروحية.
مسجد الحسن
في حي الميدان الشعبي بدمشق، يبرز مسجد الحسن كمعلم روحي حديث نسبياً، بُني في منتصف خمسينيات القرن العشرين على يد الشيخ حسن حبنكة الميداني. يُعد المسجد من أبرز مساجد الحي، ويتميز بروحانيته العالية وإقباله اللافت وتنظيمه الجيد، مع ممارسة ختم كامل للقرآن متجذرة في التقاليد الدمشقية، بالإضافة إلى حلقات تعليمية مرافقة.
كما يحمل المسجد رمزية مرتبطة بالثورة السورية عام 2011، حيث كان مركزاً للنضال وتخلد جدرانه صور شهداء الحي، مما يجعله شاهداً على تاريخ المقاومة والإيمان. إمامه الشيخ معاذ فتال، من الأئمة النشطين في دمشق، يحرص على أداء الصلاة مع المصلين في أجواء إيمانية راقية.
وأوضح الشيخ معاذ فتال للجزيرة نت أن أجواء رمضان في العاصمة السورية هذا العام تتسم بروحانية عالية وإقبال لافت، مشيراً إلى تنامي الروحانيات والشعور بالسكينة. وأكد على سعي العديد من مساجد دمشق لختم القرآن كاملاً، وهي عادة طيبة ينتظرها الأهالي لأجوائها الإيمانية الخاصة.
مسجد سعيد الجابي
في مدينة حماة، يبرز مسجد سعيد الجابي كمركز ديني مرموق، بُني عام 1999 في حي الكرامة، وسُمي على اسم الشيخ سعيد الجابي (1879–1948)، العالم والشاعر الحموي الذي كان من قادة مقاومة الاستعمار الفرنسي. يتميز المسجد بتنظيمه الجيد وإقباله المتزايد، ويُقيم ختمًا كاملاً للقرآن في التراويح والقيام.
يسعى إمام المسجد الشيخ محمود الجندي إلى توزيع التلاوة لإكمال ختم القرآن مع نهاية الشهر، مشيراً في تصريح للجزيرة نت إلى أن الإقبال هذا العام “جيد” وأن القائمين على المسجد يعملون على تحقيق الختمة الكاملة. وأشار إلى الزيادة الكبيرة في الإقبال بعد “التحرير”، مقارنة بالسنوات السابقة التي شهدت صعوبات ومنعت الحضور الجماعي.
مسجد حاس الكبير
جنوب إدلب، في مدينة حاس، يعود مسجد حاس الكبير إلى تاريخ عريق، لكنه تعرض للدمار خلال الحرب، إذ حوّله جنود النظام السابق إلى مكب للنفايات. رُمّم المسجد عام 2020 بمبلغ تبرع به فاعل خير، ليصبح رمزاً للعودة والإعمار، ويكتظ بالمصلين بعد سنوات من التهجير.
يشهد المسجد إقبالاً كبيراً في رمضان، في أجواء يغمرها الفرح بالعودة إلى العبادة. إمامه الشيخ عبد الله الكامل، قارئ قرآن مشهور، عُرف بتلاواته الخاشعة. وصرح الشيخ عبد الله الكامل للجزيرة نت أن المسجد كان مدمراً قبل أكثر من عام، وأن ترميمه ساهم في عودة آلاف المصلين إليه خلال رمضان، لافتاً إلى اختلاف هذا العام وعودة ذكر الله إلى المسجد بعد أن كان خراباً.
تمثل هذه المساجد والأئمة نماذج للأجواء الرمضانية السورية المميزة، بما تشهده من إقبال كبير وختم قرآني يعزز الروحانية، ويجدد الروابط الإيمانية والاجتماعية بين الناس. من المتوقع أن يستمر هذا التوجه الروحاني خلال الشهر، مع متابعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ومدى تأثيرها على استمرارية هذه الأنشطة الدينية.



