لطالما ارتبط الحديث عن العيش بصحة جيدة وطول العمر بالممارسات الصحية الأساسية مثل ممارسة النشاط البدني بانتظام، وتناول غذاء صحي، والحصول على قسط كافٍ من النوم. إلا أن أبحاثًا حديثة، تابعت أكثر من 3000 شخص في منتصف العمر لمدة تقارب 30 عامًا، كشفت عن عامل جديد قد يكون مقياسًا هامًا لصحة أجسامنا مع التقدم في العمر، وهو “المرونة”.
المرونة: مفتاح الصحة وطول العمر
أظهرت هذه الدراسة، التي تُعد الأولى من نوعها في تتبع العلاقة بين المرونة والوفيات ونُشرت في المجلة الإسكندنافية للطب والعلوم الرياضية، أن الأشخاص ذوي المرونة الجسدية الأقل كانوا أكثر عرضة للوفاة المبكرة مقارنة بمن يتمتعون بمرونة أكبر. وتشير النتائج إلى أن المرونة، التي غالبًا ما يتم إهمالها، قد تكون مؤشرًا حيويًا للصحة على المدى الطويل.
ويوضح الدكتور كلاوديو أراوجو، المشرف الرئيسي على الدراسة وعميد البحث والتعليم في عيادة طب التمارين الرياضية بريو دي جانيرو في البرازيل، أن المرونة تُعد عنصرًا أساسيًا إلى جانب اللياقة البدنية والتوازن وقوة العضلات في خفض خطر الوفاة المبكرة. ويوصي أراوجو بتخصيص 5 دقائق على الأقل يوميًا لتمارين الإطالة والتمدد، بغض النظر عن نوع التمرين المعتاد، للحصول على فوائد صحية كبيرة وطويلة الأمد.
المرونة وتأثيرها على الوفيات
بعد أخذ عوامل مثل السن، ومؤشر كتلة الجسم، والحالة الصحية في الاعتبار، كشفت الدراسة أن النساء اللاتي حصلن على درجة منخفضة في اختبار المرونة كن أكثر عرضة للوفاة المبكرة بمقدار 4.78 مرة مقارنة بغيرهن. أما الرجال، فقد لوحظ أن الرجال الأقل مرونة كانوا أكثر عرضة للوفاة المبكرة بمقدار 1.87 مرة.
يعزو أراوجو هذا الارتباط إلى عامل خطر السقوط، حيث يُعد السقوط سببًا رئيسيًا للإصابات والوفيات بين البالغين في منتصف العمر وكبار السن. فالأفراد الأكثر مرونة يكونون في وضع أفضل لتجنب السقوط أو تقليل أثره. بالإضافة إلى ذلك، يربط الدكتور شين ديفيس، اختصاصي الطب الرياضي، مرونة الجهاز العضلي بمرونة الجهاز الدوري، مما يجعلها مؤشرًا على صحة الأوعية الدموية وانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب.
فوائد تمارين الإطالة للعقل والجسم
تؤكد مدربة اليوغا المعتمدة كاتي باكي على الفوائد المتعددة لتمارين الإطالة، بما في ذلك زيادة المرونة، وتحسين الدورة الدموية، ووضعية الجسم، وتقليل الإصابات وآلام العضلات. كما تساهم هذه التمارين في دعم الصحة النفسية عبر تعزيز الهدوء والاسترخاء، وتحسين التركيز، وتخفيف التوتر.
وتشير اختصاصية العلاج الطبيعي ساشا سايريلسون إلى أن تمارين الإطالة تساعد في علاج انقباض العضلات الناتج عن الجلوس لفترات طويلة، وتخفيف التيبس والألم المصاحب له. كما أنها تسهل أداء الأنشطة اليومية التي قد تصبح أكثر صعوبة مع التقدم في العمر، مثل الانحناء لربط الحذاء أو صعود الدرج.
تقييم المرونة وممارسات لزيادتها
يوصي الدكتور أراوجو باختبار منزلي بسيط لتقييم المرونة الشاملة: محاولة النهوض من وضعية الجلوس على الأرض إلى وضعية الوقوف دون الاستعانة بالذراعين. هذا الاختبار يتطلب مزيجًا من المرونة والقوة والتنسيق بين المفاصل.
لتحسين المرونة، ينصح الخبراء بممارسة تمارين الإطالة بانتظام، حتى لو لمدة 5 دقائق فقط يوميًا. يجب الحفاظ على الإطالة لمدة 30-60 ثانية مع التنفس الطبيعي، بعد تدفئة العضلات. من التمارين الفعالة: تمرين الفراشة، والانحناء للأمام مع الجلوس، وإطالة عضلات الساق باستخدام الحائط، وإطالة العضلة ثلاثية الرؤوس، وثني الركبة نحو الصدر.
ماذا بعد؟
مع تزايد الأدلة على أهمية المرونة للصحة وطول العمر، يُتوقع أن تتزايد الأبحاث التي تستكشف طرقًا فعالة ومتاحة لتحسينها. يبقى التساؤل حول كيفية دمج هذه التوصيات بشكل روتيني في أنماط الحياة اليومية، خاصة مع وجود عوامل قد تحد من قدرة الأفراد على ممارسة هذه التمارين بانتظام. من المتوقع أن تركز الأبحاث المستقبلية على تطوير برامج تدريبية مخصصة وتوفير موارد إضافية للأفراد للمساعدة في الحفاظ على مرونة صحية.



