يُعتقد عادةً أن آلام المفاصل والتوتر العضلي مجرد مشاكل جسدية يمكن حلها بالمسكنات أو العلاج الطبيعي. لكن مع تزايد الوعي بالعلاقة بين الصحة الجسدية والنفسية، يبرز تساؤل مهم: ماذا لو لم يكن الألم مجرد خلل ميكانيكي، بل نتيجة لمشاعر مكبوتة لم يتم التعبير عنها بشكل صحيح؟ يركز هذا التحقيق على منطقة الوركين، التي تُعتبر نقطة التقاء بين التوتر الجسدي والمشاعر المكبوتة كالقلق والخوف والحزن.

كيف يخزن الجسم المشاعر دون أن نشعر؟

تشير منصات متخصصة في الوعي الجسدي واليوغا إلى أن الجسم يتعامل مع المشاعر كخبرات حسية كاملة. عند التعرض لضغوط، ينشط الجهاز العصبي اللاإرادي استجابة “القتال أو الهروب أو التجمد”. في هذه الحالة، تنقبض عضلات معينة، ويتحول التوتر إلى آلية دفاع. المشكلة تكمن في استمرار هذا الانقباض حتى بعد زوال الخطر.

المشاعر التي لا يُسمح لها بالظهور أو التفريغ لا تختفي، بل تبقى عالقة في الجسد على هيئة شد مزمن أو ألم صامت. هذا التفاعل بين النفس والجسد يضع آلام أسفل الظهر وتيبس الوركين تحت دائرة الضوء، حيث قد تكون دليلاً على توتر عاطفي مخزون.

لماذا الوركان تحديدا؟

وفقًا لدراسات في مجال الصحة والطب، فإن الوركين يمثلان مركزًا حيويًا في الجسم، ليس فقط للحركة، بل للارتباط العصبي أيضًا. تقع في هذه المنطقة عضلة القطنية الكبرى، وهي من أعمق العضلات وأكثرها ارتباطًا بالجهاز العصبي المسؤول عن استجابات البقاء.

تنشط هذه العضلة تلقائيًا عند الشعور بالخطر، وتساعد الجسم على الانكماش أو الاستعداد للفرار. ومع تكرار الضغوط أو العيش في حالة قلق، تبقى العضلة في حالة انقباض شبه دائم. هذا الانقباض المزمن قد يسبب آلام أسفل الظهر المستمرة وتيبس الوركين وصعوبة الحركة، خاصة لدى من مروا بتجارب صادمة أو ضغوط نفسية طويلة الأمد.

يمكن للصدمة أن تسكن المفاصل (بيكسلز)

يمكن للصدمة أن تسكن المفاصل

لا تقتصر الصدمة على حدث كبير واحد، بل يمكن أن تكون تراكمًا لتجارب أصغر: فقدان، قلق مستمر، شعور بعدم الأمان، إهمال، أو عنف. وفقًا لخبراء التعافي النفسي، فإن الصدمات غير المعالجة لا تُخزن في الذاكرة العقلية فقط، بل تسجل في الجسد.

يُعد الحوض والوركان من أكثر المناطق عرضة لذلك، لارتباطهما الوثيق بإحساس الأمان والاستقرار الجسدي. هذا يفسر سبب معاناة البعض من آلام مزمنة في الوركين بدون سبب طبي واضح، وظهور مشاعر قوية وغير متوقعة أثناء تمارين الإطالة أو العلاج الجسدي. كما قد تتدهور السلامة البدنية واللياقة فجأة لدى من يتعرضون لضغوط مزمنة.

علامات تشير إلى توتر عاطفي مخزون

ليست كل آلام الوركين نفسية المنشأ، ولكن هناك مؤشرات قد تلفِت الانتباه. منها تيبس دائم لا يتحسن بالراحة، شعور بالثقل أو الضيق في أسفل الحوض، آلام تمتد لأسفل الظهر دون تفسير طبي، ومحدودية في الحركة رغم سلامة الفحوصات. يشير الخبراء إلى أن بعض الأشخاص قد يختبرون استجابات عاطفية مفاجئة أثناء تمارين فتح الوركين، مثل البكاء أو الحزن أو القلق، دون سبب حالي واضح.

تُفسر هذه الاستجابات على أنها تفريغ متأخر لتوترات عاطفية ظلت محتجزة في هذه المناطق الحساسة للتوتر والضغط. إن فهم هذه العلاقة بين القلق وآلام الوركين قد يفتح الباب لعلاجات أكثر شمولية.

قد تشير آلام أسفل الظهر إلى المشاكل العضلية نفسية المنشأ (وكالة الأنباء الألمانية)

الحركة كوسيلة للفهم والتعافي

لا تُقدم اليوغا أو تمارين الحركة كعلاج سحري، بل كأدوات لإعادة التواصل مع الجسد. تساعد الحركات البطيئة الواعية وتمارين التنفس العميق على تهدئة الجهاز العصبي ونقله إلى حالة الأمان. تمارين فتح الوركين، على وجه الخصوص، تستهدف العضلات العميقة المرتبطة باستجابات الخوف والقلق، وتمنح الجسد فرصة للتخلي التدريجي عن انقباضاته الدفاعية.

الأهم ليس الأداء المثالي، بل الإحساس بالجسد والإنصات لما يحدث أثناء الحركة من تحرير للضغط النفسي المخزون. هذه الممارسات يمكن أن تساعد في تخفيف آلام أسفل الظهر والقلق المرتبط بها.

هل يمكن تفكيك التوتر المخزون؟

تفكيك التوتر العاطفي المخزون في الجسم عملية تراكمية. يبدأ الأمر بالوعي، أي الاعتراف بأن الألم قد يكون رسالة نفسية لا مجرد خلل عضلي. يشمل هذا المسار ممارسات مثل الحركة الواعية، تمارين الإطالة اللطيفة، التنفس العميق، وأحيانًا العلاج النفسي الداعم. الهدف هو خلق مساحة آمنة تسمح للجسم بالتخلي عن أنماط الدفاع غير الضرورية.

هذا النهج، الذي يربط التوتر الجسدي بالصحة النفسية، يمكن أن يكون مفتاحًا لفهم أعمق للآلام المزمنة.

تمارين الإطالة اللطيفة قد تساعد في التخلص من الآلام العضلية نفسية المنشأ (شترستوك)

كيف نمنع تخزين المشاعر في الجسد مستقبلا؟

الوقاية تكمن في تعلم كيفية التعامل مع المشاعر بمرونة. التعبير المنتظم عن المشاعر، سواء بالكلام أو الكتابة أو الحركة، يقلل من احتمالية تحولها إلى توتر جسدي. الوعي المبكر بالإجهاد النفسي والتعامل معه قبل أن يتفاقم هو مفتاح الحفاظ على صحة الجسد على المدى الطويل.

الجسد لا يقاومنا، بل يتذكر ألمنا لأنه لم يجد طريقة أخرى للتعبير. الوركان، بما يحملانه من ثقل الحركة والمشاعر، يذكراننا بأن الشفاء رحلة جسدية ونفسية معًا. حين نتعلم الإنصات للجسد كشريك، قد يتحول الألم من عبء غامض إلى بوابة لفهم أعمق للذات، وللمشاعر التي طال انتظارها لتتحرر.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version