غزة – مع حلول شهر رمضان، تتجه الأنظار إلى غزة، حيث تحولت مظاهر الاحتفال بالعادات الرمضانية الأصيلة إلى واقع مرير بسبب الحرب. فقد شهدت الأجواء التي كانت تعج بالفرح والبهجة طوال سنوات مضت، تحولاً جذرياً نحو المعاناة والبحث عن لقمة العيش، مما طمس الكثير من الطقوس والتقاليد التي كانت تزين هذا الشهر الفضيل. إن “تغيير عادات رمضان في غزة” بفعل الحرب هو قصة مؤثرة تعكس حجم الدمار والتحديات التي يواجهها السكان.
كانت الأسر في غزة قبل الحرب تستعد بحماس لاستقبال شهر رمضان، مجهزة موائد الإفطار بأشهى الأطباق التقليدية مثل “الفتّة الغزاوية” و”الكبسة والمفتول”، بالإضافة إلى المقبلات المتنوعة والحلويات الرمضانية الشهيرة كالقطائف. لكن الدمار الذي خلفته الحرب فرض واقعاً قاسياً، حيث أصبحت الأسر تعيش في خيام وتفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، مما جعل إعداد وجبة طعام تحدياً يومياً.
تأثير الحرب على المائدة الرمضانية
تحدثت السيدة علا العجلة، 42 عاماً، من حي الشجاعية، عن التحول المأساوي في حياتها. فبعد أن كانت تعد مائدة إفطار غنية لعائلتها المكونة من 6 أفراد، أصبحت اليوم لا تمتلك حتى أدوات الطهي أو المال لشراء الطعام. تضطر أبناؤها للتوجه إلى “التكايا” بحثاً عن أي طعام يسد جوعهم.
أما الرجل المسن محمد الزايغ، 75 عاماً، والذي فقد منزله وكل ما يملك، فيحاول تأمين قوت يومه ببيع الخبز في الشوارع. ويرى أن الحرب قد دمرت غالبية عادات رمضان التي اعتاد عليها، أهمها صلة الرحم، حيث أصبحت العائلات متفرقة بسبب النزوح.
على مستوى الطعام، تأثرت المائدة الرمضانية بشكل كبير. فالأكلات التي كانت حاضرة في كل بيت أصبحت حلماً بعيداً بسبب الفقر. وغابت السلطات والألبان والمقبلات والعصائر تماماً عن الموائد، وحتى التمور التي كانت في متناول الجميع، ارتفعت أسعارها بشكل كبير.
“أسعار السلع الرمضانية تشهد ارتفاعاً جنونياً، فعلى سبيل المثال، ارتفع سعر علبة مشروب غازي من 3 شواكل إلى 10 شواكل، وكيلو عجين القطائف من أقل من 4 شواكل إلى 12 شيكلاً، قبل إضافة تكلفة الطهي”، بحسب شهادات بائعة.
لم تقتصر التحديات على الموائد، بل امتدت إلى الجانب الروحي. فالمساجد التي كانت ملاذاً للعبادة والروحانية، دمر الاحتلال معظمها، وأصبح المسلمون يضطرون للصلاة في مصليات مؤقتة لا تتسع للجميع.
أسواق رمضان في غزة: واجهة تخفي واقعاً مراً
في قلب مدينة غزة، يحيي شارع فهمي بيك الشعبي أجواء رمضان، فعلى واجهته، يعرض الباعة الخضروات والفواكه والعصائر والحلويات الرمضانية كالقطائف، حاملين معهم عبق التوابل المتنوعة. وبينما تبدو الأسواق مليئة بالبضائع، يؤكد الباعة أن غالبية المواطنين يكتفون بالتفرج لعدم قدرتهم على الشراء.
تحدث إياد الكويفي، بائع عصائر قديم، عن التغيرات الكبيرة في بيع العصائر الرمضانية. ففي الماضي، كانت مشروبات كالخروب والكركديه جزءاً أساسياً من إفطار رمضان، وكانت الأسواق تعج بمئات الباعة. أما اليوم، ورغم توفر المنتجات، فإن أسعارها المرتفعة، مثل لتر الخروب الذي وصل سعره إلى 10 شواكل، تجعله بعيد المنال عن الكثيرين.
كما يواجه بائعو القطائف، مثل درويش شلّح، صعوبات جمة. فقد ارتفع سعر كيلو القطائف إلى 12 شيكلاً، بالإضافة إلى تكلفة الحشوة والغاز والحطب. “الناس لم يعد بإمكانهم شراء القطائف كما في السابق، فالوضع الآن صعب للغاية”، يضيف شلّح.
في ظل هذه الظروف، تظل أسواق غزة تقاوم أوضاعها الإنسانية الصعبة، مقدمة واجهة تعكس بعضاً من روح رمضان، بينما يخفي واقع أشد قسوة.
ماذا بعد؟
تتجه الأنظار الآن نحو مدى استمرار هذه المعاناة وتأثيرها على مجتمع غزة في ظل استمرار الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة. ويبقى الأمل معلقاً على التوصل إلى حلول مستدامة تضمن عودة مظاهر الحياة الطبيعية والاحتفالات الرمضانية بالشكل الذي اعتاد عليه أهل القطاع، ولكن غياب الاستقرار يلقي بظلاله القاتمة على المستقبل.



