بعد ثلاث سنوات من طفرة الذكاء الاصطناعي، لا تزال وول ستريت عاجزة عن حسم تقييمها لهذه التكنولوجيا، بين كونها شديدة الإرباك أو أقل تأثيراً مما يُعتقد. تطورت هذه التكنولوجيا من مجرد ردود ذكية في روبوتات الدردشة، لتتولى مهام أعلى قيمة كتسريع البحث وإعداد العروض التقديمية وكتابة شيفرة البرمجيات.

يتسابق مطورو الذكاء الاصطناعي لتوسيع عروضهم إلى قطاعات جديدة مثل الخدمات المالية والقانونية، مما يهدد مزودي البرمجيات التقليديين. ورغم تحسن الذكاء الاصطناعي وزيادة اعتماده، فإن الصورة حول ما إذا كانت العوائد المالية ستعوض التكاليف الهائلة لا تزال غير واضحة.

ما هو نموذج الأعمال الجديد للذكاء الاصطناعي؟

يركز العديد من مطوري الذكاء الاصطناعي الرائدين على بيع الاشتراكات الشهرية، مع تسعير متدرج قد يصل إلى المئات من الدولارات. وتجري “أوبن إيه آي” اختبارات على الإعلانات كوسيلة جديدة لتعزيز الإيرادات، في خطوة وصفها رئيسها التنفيذي سام ألتمان بأنها “الملاذ الأخير”.

تسعى شركات الذكاء الاصطناعي جاهدة لإقناع قادة الأعمال بتبني تقنياتها والدفع مقابلها، محققة نجاحات مبكرة في تبسيط البرمجة وتتجه نحو قطاعات أخرى كالحياة الصحية والخدمات المالية. تواجه هذه الشركات ضغوطاً متزايدة للبحث عن قنوات إيرادات جديدة، حتى لو كانت تتضمن خدمات قد تعتبر خطرة.

هل يحقق الذكاء الاصطناعي أي إيرادات فعلاً؟

تشهد قاعدة مستخدمي الذكاء الاصطناعي نمواً سريعاً. لدى ChatGPT التابع لـ “أوبن إيه آي” أكثر من 900 مليون مستخدم أسبوعياً، بينما يضم تطبيق Gemini التابع لـ Google أكثر من 750 مليون مستخدم شهرياً. وأعلنت كل من “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” عن ارتفاعات حادة في المبيعات، حيث تجاوزت الإيرادات السنوية لـ “أوبن إيه آي” 20 مليار دولار في عام 2025، بينما تقترب “أنثروبيك” من تحقيق 20 مليار دولار.

متى يمكن أن يؤتي الذكاء الاصطناعي ثماره؟

تتزايد التكاليف بوتيرة حادة لمواكبة نمو الإيرادات. تشغيل النماذج اللغوية الضخمة يتطلب مئات الآلاف من أشباه الموصلات المتقدمة ومراكز بيانات تستهلك كميات هائلة من الطاقة. تتوقع أكبر أربع شركات تقنية أن تبلغ نفقاتها الرأسمالية مجتمعة حوالي 650 مليار دولار في عام 2026، لدعم استثماراتها المكثفة في الذكاء الاصطناعي.

تلتزم “أوبن إيه آي” بإنفاق أكثر من 1.4 تريليون دولار على بنيتها التحتية، وتخطط “أنثروبيك” لإنفاق 50 مليار دولار لبناء مراكز بيانات مخصصة. تقدر “باين آند كو” أن القطاع سيحتاج إلى حوالي 2 تريليون دولار من الإيرادات السنوية المجمعة بحلول عام 2030 لتمويل القدرة الحاسوبية اللازمة، لكنها تتوقع فجوة تقدر بـ 800 مليار دولار.

المخاطر المحتملة

تنقسم المخاطر إلى فئتين: الأولى تتعلق بضخامة الاستثمارات والالتزامات المالية، والقيود المادية والتنظيمية على التوسع السريع في قدرات معالجة الذكاء الاصطناعي. أما الثانية فتتعلق بقدرة الشركات على الوفاء بوعود هذه التكنولوجيا، سواء من حيث قدراتها أو استعداد الناس للدفع مقابلها على المدى الطويل.

تعتمد العديد من شركات التكنولوجيا على الديون لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. تتوقع “مورغان ستانلي” أن يصل اقتراض شركات الحوسبة السحابية العملاقة إلى 400 مليار دولار هذا العام. تزداد الروابط بين صانعي الرقائق ومزودي الخدمات السحابية والمطورين، مما قد يضخم الخسائر إذا خيب الطلب الآمال.

تواجه مراكز البيانات مخاطر ناجمة عن تأخر ربطها بشبكات الكهرباء، بسبب قوائم انتظار طويلة وبطء إصدار التصاريح. قد يؤدي هذا التأخير إلى تحميل المشغلين تكاليف إضافية على معدات قد تصبح قديمة تقنياً.

المنافسة المفتوحة

تخوض أكبر شركات الذكاء الاصطناعي منافسة محتدمة، وتتغير قوائم الترتيب باستمرار. بينما قد يكون بعض المستخدمين مخلصين لخدمة معينة، يمكن للكثيرين الانتقال بسهولة إلى أي منتج جديد يكتسب زخماً، كما حدث مع انتقال جماعي من ChatGPT إلى Claude في دعم “أنثروبيك” خلال خلافها مع البنتاغون.

تواجه الشركات الأميركية التي تبقي نماذجها “مغلقة المصدر” منافسة قوية من نماذج مفتوحة المصدر، بما في ذلك تلك المطورة في الصين. تظهر حصة التنزيلات على منصة Hugging Face أن النماذج المفتوحة المطورة في الصين تجاوزت المطورين الأميركيين للمرة الأولى، مما قد يحد من انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي الأميركية وقدرتها على رفع الأسعار.

الذكاء الاصطناعي وتحسن الإنتاجية

قد يتمثل العائد المباشر للشركات في زيادة إنتاجية العاملين بدلاً من خفض تكاليف العمالة. توفرت مؤشرات متباينة؛ فدراسة على موظفي دعم العملاء أظهرت زيادة في الإنتاجية بنحو 15%، بينما وجدت تجربة أخرى أن مطوري البرمجيات استغرقوا وقتاً أطول عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، تحسنت وكلاء البرمجة بشكل ملموس.

أعلنت “أنثروبيك” عن نمو بنسبة 200% في إنتاجية مهندسيها، بينما شهدت “سبوتيفاي” مكاسب في الإنتاجية. تعمل “أنثروبيك” و”أوبن إيه آي” على توسيع تطبيقاتهما في قطاعات مختلفة، لكن الأدلة لا تزال محدودة على أن اعتماد الذكاء الاصطناعي يؤدي إلى دفعة إنتاجية واسعة النطاق.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version