شهد سهم شركة IBM انخفاضًا حادًا، وهو الأكبر منذ عام 2000، وذلك بفعل احتدام المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي. جاء هذا التراجع عقب إعلان شركة أنثروبيك عن تحديث لمنصتها الذكية “Claude” يسمح لها بمعالجة لغة البرمجة القديمة COBOL. يعكس هذا التطور السباق المتزايد بين شركات التكنولوجيا لتقديم نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على العمل بفعالية ضمن البيئات المؤسسية الحساسة ومعالجة كميات ضخمة من البيانات.
تُعد الأنظمة المكتوبة بلغة COBOL، والتي تعمل تاريخيًا على الحواسيب المركزية، العمود الفقري للعديد من القطاعات الحيوية، بما في ذلك القطاع المالي والقطاع الحكومي. وبالتالي، فإن أي تحوّلات في استراتيجيات شركات الحوسبة المؤسسية، وعلى رأسها IBM، ترتبط ليس فقط بالذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية، بل أيضًا بمستقبل تحديث أنظمة COBOL ودمجها في البنى الرقمية الحديثة.
لغة COBOL: تاريخ عريق ودور مستمر
تُعد لغة COBOL، وهي اختصار لعبارة Common Business-Oriented Language، من أقدم لغات البرمجة عالية المستوى التي لا تزال قيد الاستخدام حتى اليوم. ارتبطت هذه اللغة تاريخيًا بالأنظمة المالية والحكومية واسعة النطاق، وبالحواسيب المركزية التي تستخدمها الشركات الكبرى، بما في ذلك IBM. ظهرت COBOL في أواخر الخمسينيات، بدعم من وزارة الدفاع الأميركية، لتلبية حاجة المؤسسات إلى وسيلة موحدة لمعالجة البيانات التجارية على الحواسيب الناشئة.
ساهمت عالمة الحاسوب جرايس هوبر في ترسيخ الأسس المفاهيمية للغة من خلال تبني صياغة قريبة من اللغة الإنجليزية، مما سهل قراءة الشيفرة وصيانتها على المدى الطويل، ومنحها قابلية تشغيل واسعة عبر مختلف الأنظمة. أُطلقت النسخة الأولى من COBOL عام 1960، وتم اعتمادها كلغة معيارية عام 1968، لتبدأ مرحلة انتشارها العالمي الواسع في القطاعات الحكومية والتجارية.
الحوسبة المؤسسية الصلبة ودوافع التطوير
ارتبط انتشار لغة COBOL ارتباطًا وثيقًا بالحوسبة المؤسسية التي تعتمد على الحواسيب المركزية، حيث وفرت هذه المنصات بيئات تشغيل عالية الموثوقية لمعالجة كميات هائلة من البيانات. شجعت موثوقية هذه الأنظمة، إلى جانب الاستثمارات طويلة الأجل للمؤسسات، على استمرار تشغيل التطبيقات القائمة بدلاً من استبدالها، خاصة في البيئات التي تتطلب معالجة مستمرة للمعاملات على مدار الساعة دون انقطاع.
ونتيجة لذلك، أصبحت COBOL ركيزة أساسية في تشغيل البنى التحتية الرقمية التي تدعم العمليات المالية والخدمات الحكومية في العديد من دول العالم. لا تزال COBOL تشغّل جزءًا كبيرًا من البنية الرقمية العالمية، لا سيما في القطاع المصرفي لمعالجة المعاملات المالية اليومية وأنظمة بطاقات الائتمان، وفي قطاع التأمين لإدارة الوثائق والتعويضات، وفي الأنظمة الحكومية بما في ذلك إدارة الضمان الاجتماعي، بالإضافة إلى أنظمة النقل والطيران وإدارة الحجوزات.
تعتمد هذه القطاعات على COBOL في أنظمة توصف بأنها “حرجة للمهام”، حيث يصعب إجراء تغييرات جوهرية فيها دون مخاطر تشغيلية كبيرة. وتشير تقديرات إلى أن مئات المليارات من أسطر الشيفرة لا تزال ضمن الاستخدام الفعلي عالميًا.
التكامل مع التقنيات الحديثة ومستقبل COBOL
برغم قدمها النسبي، لا تزال COBOL قادرة على التكامل مع التقنيات الحديثة عبر التشغيل المتبادل مع صيغ البيانات القياسية والتطبيقات الرقمية المعاصرة. كما يمكن تشغيلها ضمن بيئات سحابية حديثة مثل Amazon Web Services وMicrosoft Azure وIBM Cloud. أدى هذا التكامل إلى بروز مفهوم “تحديث COBOL”، الذي يهدف إلى نقل التطبيقات القائمة إلى بيئات حديثة، أو إعادة هندستها، أو دمجها مع الأنظمة الرقمية الجديدة عبر واجهات برمجة التطبيقات.
تمثل COBOL بذلك حالة فريدة في تاريخ البرمجيات، إذ استطاعت الحفاظ على دور محوري في تشغيل البنية التحتية المالية والحكومية العالمية لأكثر من ستة عقود. يعتمد استمرارها في المستقبل على قدرتها على الاندماج التدريجي مع التقنيات الحديثة والحوسبة السحابية، بما يضمن استمرارية الأنظمة المؤسسية التي يعتمد عليها جزء كبير من الاقتصاد الرقمي العالمي.
من المتوقع أن يشهد سوق الذكاء الاصطناعي المؤسسي مزيدًا من المنافسة، مع تركيز شركات مثل أنثروبيك وIBM على تطوير نماذج قادرة على استيعاب ومعالجة اللغات البرمجية القديمة. يتوقف نجاح هذا التحديث على مدى قدرة هذه النماذج على التعامل بكفاءة وأمان مع البيانات الحساسة، ومدى تقبل المؤسسات الكبرى لتطبيق هذه التقنيات الجديدة على أنظمتها الحيوية.


