يشهد الشرق الأوسط تصعيدًا ملحوظًا، حيث يبدو أن كلمتي “وقف إطلاق النار” و”وقف الحرب” أصبحتا محور الخلاف الدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة. مع دخول النزاع شهره الثاني، يتباين الهدفان الاستراتيجيان لطهران وواشنطن، مما يعقد مساعي التوصل إلى حل سلمي.
ففي حين تسعى واشنطن إلى وقف فوري لإطلاق النار، تصر طهران على إنهاء دائم للحرب، وهو ما يعكس اختلافًا جوهريًا في الرؤى حول طبيعة وأبعاد أي تسوية مستقبلية.
شروط متبادلة
عبّر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن رغبة بلاده في إنهاء الصراع، واصفاً مسار المواجهة بأنه أصبح أكثر عبثية وتكلفة. وفي السياق نفسه، أوضح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي موقف بلاده بصرامة، مطالبًا بإنهاء دائم للحرب مع تعويضات عن الأضرار، ورفض التفاوض تحت الضغط العسكري.
على النقيض، يتبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفًا مغايرًا، حيث يصف ما صدر عن الجانب الإيراني بطلب لوقف إطلاق النار، مشروطًا لأي استجابة بفتح مضيق هرمز. وحذرت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت من استعداده لـ “إطلاق العنان للجحيم” إذا لم تمتثل طهران لواقع اللحظة.
وقد زاد ترامب من حدة الخطاب مؤكدًا عزم واشنطن على مواصلة الضربات ضد إيران على مدى الأسابيع القادمة، مما يشير إلى تمسكها بمسار التهديد العسكري.
وأفاد تقرير قدمه عبد القادر عياض بأن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية رفض وقف إطلاق النار بشكل قاطع ما لم يقترن بضمانات موثوقة للردع، مما يؤكد أن طهران ترى في أي وقف لإطلاق النار بداية نهاية الحرب لا مجرد توقف مؤقت.
وتتجاوز الشروط الإيرانية أي أفق مرحلي، حيث تطالب بوقف مستدام لجميع العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، واعتراف بسيادتها على مضيق هرمز، ووقف للحرب على جبهات متعددة، وآليات دولية لضمان عدم الانزلاق مجددًا نحو المواجهة.
في المقابل، تعد صيغة وقف إطلاق النار في الحسابات الأمريكية هدنة مرحلية تستهدف أهدافًا تكتيكية واقتصادية، أبرزها تحرير الملاحة في مضيق هرمز، مع الإبقاء على أدوات الضغط الاستراتيجي دون ضمانات بعدم العودة للتصعيد.
ويضيف الموقف الإسرائيلي بعدًا آخر يعقد المشهد، حيث تواجه تل أبيب خيارًا صعبًا بين قبول تسوية تقيد حريتها العملياتية، أو الإصرار على استمرار الضغط العسكري المتوافق مع أهدافها الاستراتيجية بعيدة المدى.
تكشف هذه المعطيات أن الحرب الجارية تُخاض على جبهتين متوازيتين: ميدانية تتبادل فيها الأطراف الضربات، وأخرى مصطلحية تتقاتل فيها الكلمات على تحديد شكل أي تسوية.
منذ 28 فبراير الماضي، تشهد المنطقة موجة تصاعدية من الضربات الإسرائيلية والأمريكية على الأراضي الإيرانية، خلفت مئات القتلى والجرحى، بمن فيهم شخصيات قيادية بارزة. ولم تقف طهران موقف المتلقي، حيث ردت بصواريخ ومسيرات باتجاه إسرائيل، وسعت لاستهداف قواعد عسكرية ومصالح أمريكية في المنطقة، مما أدى إلى وقوع ضحايا مدنيين.
ما التالي:
تتجه الأنظار نحو تفاعل الأطراف مع الشروط المتبادلة، حيث ستكون الأيام والأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت مسارات الحوار ستتفوق على مسارات التصعيد العسكري، مع استمرار الضبابية حول مستقبل الاستقرار في المنطقة.



