وتضم الدائرة القطبية شبه جزيرة كولا الروسية، التي تعد موطنا لواحد من أكبر الترسانات النووية في العالم، ما دفع الدول الإسكندنافية إلى دعوة الناتو للتركيز أكثر على هذه المنطقة التي تمس أمن الولايات المتحدة وأوروبا.
وقال وزير الدفاع النرويجي، توري سانفيك لـ”فاينانشيال تايمز”، إن أقصر مسار طيران لمقذوف يطلق من جزيرة كولا باتجاه المدن الأميركية الكبرى على الساحلين يمر عبر القطب الشمالي وغرينلاند.
وأوضح أن أي صاروخ باليستي عابر للقارات سيستغرق 18 دقيقة من لحظة إطلاقه حتى يصل إلى مدينة أميركية كبرى بسرعة 7 كيلومترات في الثانية.
وأضاف: “هذا دفاع عن الوطن. ولهذا نضع هذا الأمر على الطاولة أمام ترامب وعندما نلتقي الحلفاء. هذا دفاع عن الوطن (للولايات المتحدة)، ولندن، وباريس، وبرلين، ولكل دول الحلف”.
وساهمت توصل ترامب إلى إطار اتفاق مع الأمين العام للناتو مارك روتي في توجيه تركيز الحلف إلى أمن القطب الشمالي، وهي خطوة طالما نادت بها الدول الإسكندنافية.
وأبدت الدول الإسكندنافية الخمس تخوفها من التهديد القادم من روسيا، معتبرة أن أمن القطب الشمالي مسألة تخص حلف الناتو بأكمله.
ورغم أن الدول الإسكندنافية وروسيا خفضت وجودها العسكري وأغلقت عدة قواعد في القطب الشمالي، إلا أن موسكو، منذ مطلع الألفية مع الرئيس فلاديمير بوتين، بدأت في الإنعاش العسكري والاقتصادي للقطب الشمالي.
سيطرة روسية
وتسيطر روسيا على نحو نصف المساحة اليابسة والمياه في القطب الشمالي، ما يمنحها أكبر نفوذ بين الدول الثماني الموجودة في المنطقة، وتملك موسكو أكثر من 40 منشأة عسكرية على طول الساحل القطبي، تشمل القواعد العسكرية، والمطارات، ومحطات الرادار، والموانئ.
ويعد القطب الشمالي عنصرا أساسيا في العقيدة النووية الروسية، فهو موطن الأسطول الشمالي الروسي المرتكز في شبه جزيرة كولا، والذي يشمل 6 من أصل 12 غواصة روسية نووية.
وقال أندريه ديتريتش، المحلل المتخصص في الشأن الروسي في معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية: “الأسطول الشمالي، وخاصة غواصاته، هو ركيزة الردع الاستراتيجي الروسي. وبسبب أهميته، لا يزال يتم تحديثه”.
كما تحافظ روسيا على مستوى عال من الجاهزية في موقع تجاربها النووية في نوفايا زيمليا، وهو أرخبيل قطبي اختبرت فيه في أكتوبر الماضي صاروخها المجنح النووي العامل بالطاقة النووية “بوريفيستنيك”.
وتروج أيضا لاستخدام طريق البحر الشمالي” الذي يمتد فوق روسيا ويوفر إمكانية تقليص كبير لزمن الشحن بين الصين وأوروبا، رغم أن أعداد السفن أقل من المستهدف.
وقال وزير الدفاع النرويجي: “نعلم أن روسيا تضاعف نشاطها في الشمال، كما أن ذوبان الجليد سيساهم في ظهور الصين كقوة إقليمية ذات مصالح عالمية، وقد أعلنت نفسها دولة قريبة من القطب الشمالي”.
اهتمام “الناتو” بالقطب الشمالي
وقال الأدميرال جوزيبي كافو دراغوني، أعلى مسؤول عسكري في الناتو، لصحيفة “فاينانشيال تايمز” في أكتوبر الماضي، إن القطب الشمالي “محور اهتمام كبير” للحلف العسكري، مشيرا إلى ضرورة الحفاظ عليه مفتوحا للملاحة الحرة والفرص الاقتصادية الناشئة مثل التعدين واستكشاف النفط والغاز.
وكثفت دول الناتو تدريباتها في القطب الشمالي، وسيشارك في مارس القادم نحو 25 ألف جندي من مختلف دول الحلف، من بينهم 4000 أميركي، في مناورات “الاستجابة الباردة” في شمال النرويج، بهدف التدريب على القتال الجوي والبحري والبري في ظروف شتوية قاسية.
وإلى جانب محاولتهم إعادة تركيز اهتمام الولايات المتحدة على التهديد الروسي، يأمل الإسكندنافيون أيضا أن يتيح الاهتمام المتجدد بأمن القطب الشمالي إبراز أهميتهم بالنسبة لواشنطن.
وهناك منطقتان بحريتان بالغتا الأهمية يمكن أن يتنافس فيهما الناتو وروسيا على السيطرة في أي صراع في القطب الشمالي، وهما الفجوة المعروفة باسم “جيـوك” بين غرينلاند وآيسلندا وبريطانيا، وما يعرف بـ”فجوة الدب” بين أرخبيل سفالبارد النرويجي والبر الرئيسي، وتنتهي قرب شبه جزيرة كولا.
وقال سانفيك إن النرويج تستخدم طائرات الاستطلاع من طراز “بي-8″، إضافة إلى الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيرة بعيدة المدى والغواصات والفرقاطات، لمراقبة “فجوة الدب” ومناطق أخرى.
وأضاف: “هكذا يفكر الناتو في الدفاع عن هذه المنطقة في وقت الأزمات الساخنة. لكننا، قبل كل شيء، نفعل ذلك لتجنب التصعيد وردع روسيا”.
وقال مسؤول إسكندنافي رفيع، لـ”فاينانشيال تايمز”، إن الولايات المتحدة تعتمد على هذه المعلومات الاستخباراتية.
وأوضح: “إنها بالتأكيد علاقة متبادلة. لدينا وعي ميداني جيد بما تفعله روسيا على الجانب الآخر من الحدود. كما يمكن للولايات المتحدة استخدام مجالنا الجوي لمراقبة روسيا”.
ويتركز قدر كبير من الاهتمام بالقطب الشمالي على مراقبة ما قد يأتي عبر الجو أو تحت الماء، بدلا من الاستعداد لعمليات برية.



