أظهرت دراسة علمية حديثة واسعة النطاق، استندت إلى بيانات السجلات الوطنية في فنلندا، أن الإجهاض السابق، سواء كان متعمداً أو نتيجة إجهاض تلقائي، لا يرتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي، سواء قبل سن اليأس أو بعده. تأتي هذه النتائج، التي نُشرت في مجلة علمية متخصصة في طب النساء والتوليد، لتبديد المخاوف التي طالما أحاطت بهذه المسألة.
اعتمد الباحثون على تحليل بيانات 31,687 امرأة تم تشخيص إصابتهن بسرطان الثدي بين عامي 1972 و2021، ومقارنتهن بـ 158,433 امرأة لم تصب بالمرض. يمنح هذا العدد الكبير من المشاركين، الممتد على مدار خمسة عقود، الدراسة قدرة إحصائية عالية على اكتشاف أي فروق محتملة في معدلات الخطر.
الإجهاض وسرطان الثدي: نتائج الدراسة الفنلندية
خلصت النتائج إلى أن خطر الإصابة بسرطان الثدي كان متشابهاً بين النساء اللواتي لديهن تاريخ سابق من الإجهاض المتعمد وبين اللواتي لم يخضعن لأي إجهاض، بغض النظر عن العمر. كما لم يظهر أي اختلاف يذكر في معدلات الإصابة بين النساء اللواتي تعرضن لإجهاض تلقائي سابق واللواتي لم يتعرضن لذلك. ولم تقتصر الدراسة على المقارنة العامة، بل فحصت أيضاً ما إذا كان عدد مرات الإجهاض، أو توقيت أول إجهاض، يؤثر في مستوى الخطر. وأظهرت التحليلات أن مخاطر سرطان الثدي لم تختلف بشكل ملحوظ تبعاً لهذه العوامل.
يعد سرطان الثدي من أكثر أنواع السرطان شيوعاً بين النساء، وترتبط به عوامل خطر متعددة منها الوراثة، العمر، نمط الحياة، والتاريخ الإنجابي. وقد طرحت تساؤلات متكررة حول ما إذا كان إنهاء الحمل، سواء بشكل متعمد أو تلقائي، قد يؤثر في التغيرات الهرمونية المرتبطة بأنسجة الثدي ويزيد من خطر الإصابة بالسرطان.
وكانت بعض الدراسات القديمة قد أثارت شكوكاً حول وجود علاقة، إلا أن أبحاثاً لاحقة، خاصة تلك المعتمدة على سجلات وطنية شاملة، لم تجد دليلاً يدعم هذا الارتباط. وتعد الدراسة الفنلندية الجديدة من بين الأكثر شمولاً من حيث عدد المشاركات وطول فترة المتابعة، مما يعزز موثوقية نتائجها.
وأوضح المؤلف الرئيسي أوسكاري هيكينهيمو، الباحث في جامعة هلسنكي، أن مسألة اعتبار الإجهاض عامل خطر محتمل للإصابة بسرطان الثدي ظلت تثير القلق وتستخدم أحياناً في نشر معلومات مضللة. وأضاف أن استخدام بيانات عالية الجودة من السجلات الوطنية الفنلندية مكن الفريق من تبديد هذه المخاوف بصورة موثوقة، مؤكداً أن الإجهاض، حتى لو تكرر، لا يعد عامل خطر للإصابة بسرطان الثدي.
يتميز النظام الصحي في فنلندا بوجود سجلات وطنية دقيقة وشاملة، مما يسمح بإجراء دراسات وبائية واسعة النطاق مع تقليل احتمالات التحيز. في هذه الدراسة، تم الربط بين سجلات السرطان وسجلات الحمل والإجراءات الطبية، مما أتاح للباحثين تتبع التاريخ الإنجابي للنساء بدقة ومقارنته بمعدلات الإصابة بالسرطان.
الأهمية المجتمعية والبيولوجية للنتائج
يرى خبراء أن أهمية هذه النتائج تمتد إلى البعد المجتمعي والنفسي، حيث استخدم الربط بين الإجهاض وسرطان الثدي في بعض السياقات كأداة لإثارة الخوف. وتوفر النتائج الحالية أساساً علمياً قوياً يمكن أن يسهم في تصحيح المفاهيم الخاطئة وتقديم معلومات دقيقة.
من الناحية البيولوجية، يوضح مختصون أن تطور سرطان الثدي عملية معقدة تتأثر بتفاعل عوامل متعددة، ولا تشير الأدلة المتراكمة إلى أن إنهاء الحمل يؤدي إلى تغييرات دائمة في أنسجة الثدي تزيد من احتمالية التحول السرطاني.
يشير الباحثون إلى أن النتائج كانت متسقة عبر الفئات العمرية المختلفة، ما يعزز الاستنتاج العام بعدم وجود علاقة سببية بين الإجهاض وسرطان الثدي. كما أن عدم وجود اختلاف في الخطر بحسب عدد مرات الإجهاض أو توقيته يدعم الفكرة القائلة بأن هذه العوامل لا تلعب دوراً جوهرياً في مسار تطور المرض.
يؤكد المختصون أهمية الرجوع إلى الدراسات العلمية واسعة النطاق عند تقييم الادعاءات المتعلقة بالمخاطر الصحية. وتعد الدراسات المعتمدة على السجلات الوطنية، مثل الدراسة الفنلندية، من بين أكثر التصاميم البحثية قدرة على تقديم إجابات دقيقة في قضايا الصحة العامة.
ويرى هيكينهيمو أن الرسالة الأساسية لهذه الدراسة تتمثل في الطمأنة، مشيراً إلى أن ملايين النساء حول العالم مررن بتجربة الإجهاض، سواء المتعمد أو التلقائي. وأضاف أن تقديم معلومات قائمة على الأدلة يسهم في دعم اتخاذ قرارات صحية مبنية على العلم، بعيداً عن القلق غير المبرر.
ومع أن الدراسة ركزت على السكان في فنلندا، فإن حجم العينة الكبير وطول فترة المتابعة يعززان إمكانية تعميم النتائج على نطاق أوسع. ومع ذلك، يشير الباحثون إلى أن الاستمرار في دراسة عوامل خطر سرطان الثدي يظل ضرورياً، لا سيما في ضوء التغيرات المستمرة في أنماط الحياة والخصائص الإنجابية للنساء حول العالم.

