يشهد الموسم الرمضاني المصري هذا العام ظاهرة فنية لافتة، حيث تتصدر الأعمال الدرامية المستوحاة من وقائع حقيقية خريطة العرض، مقدمةً 9 مسلسلات تتناول قضايا اجتماعية وسياسية وأمنية شغلت الرأي العام، في محاولة لصناعة دراما تمسك بتفاصيل الواقع.
تنوعت القصص الواقعية المعروضة لتشمل مواجهة الإرهاب السياسي، وقضايا قتل عائلية هزت المجتمع، وملفات من محاكم الأسرة، وصولاً إلى استلهام الحرب الأخيرة على غزة، مما يعكس انحياز الدراما إلى القصص التي احتلت عناوين الأخبار، وتراهن على فضول الجمهور وشغفه بما حدث بالفعل.
دراما الواقع: مواجهة الإرهاب وقضايا القتل
يبرز مسلسل “رأس الأفعى” كأحد أبرز الأعمال التي تتناول وقائع حقيقية، حيث يسلط الضوء على مواجهة أجهزة الأمن المصرية الطويلة لجماعة الإخوان، وما ارتبط بها من مخططات. المسلسل، الذي يؤدي فيه أمير كرارة دور البطولة، يكشف تفاصيل عمليات وأحداث أمنية وسياسية في معالجة درامية تضع المشاهد أمام كواليس مرحلة شديدة الحساسية.
على صعيد آخر، يستند مسلسل “إفراج” إلى قصة حقيقية وقعت في إحدى قرى مصر منذ عامين، حول قيام شخص بقتل زوجته وأطفاله. ويؤدي عمرو سعد دور البطولة في هذا العمل الذي أكد أنه مستوحى من “قصة حقيقية وملفات لم تنشر من قبل”، ليعالج ضغوطاً نفسية وصراعات تدفع للبقاء والرفض المجتمعي.
وفي سياق مختلف، يقدم مسلسل “الست موناليزا” قصتين واقعيتين أثارتا جدلاً، الأولى عن سيدة جمعت بين زوجين في وقت واحد، والثانية عن زوجة قتلت زوجها بسبب العنف. تلعب مي عمر دور البطولة في هذا العمل المكون من 15 حلقة.
ملفات الأسرة ومأساة البحث عن الأبناء
من قلب محاكم الأسرة، يستمد مسلسل “روج أسود” أحداثه، مقدماً 5 قصص واقعية حول قضايا المرأة، كالزواج والطلاق والعنف. رانيا يوسف، التي تؤدي دور البطولة، وصفت شخصيتها بأنها “مركبة”، مؤكدة أن القصة مأخوذة من قضية حقيقية.
يأخذ مسلسل “حكاية نرجس” من الواقع قصة إنسانية مأساوية عن امرأة تعاني من عدم الإنجاب، وتدفعها أزمتها إلى اختطاف طفل وادعاء أنه ابنها. تجسد ريهام عبد الغفور دور البطولة في هذا المسلسل الذي يعرض 15 حلقة.
غزة في الدراما وقصص مستوحاة
وفي اتجاه آخر، يطرح مسلسل “صحاب الأرض” معالجة درامية تستند إلى أحداث الحرب الأخيرة على غزة، ويرصد معاناة السكان ومشاهد الصمود الإنساني. أكد الفنان إياد نصار، بطل العمل، أن المسلسل هو “أقل شيء يمكن تقديمه لغزة” ويعتبر “عملاً للتاريخ”.
إلى جانب هذه الأعمال، هناك 3 مسلسلات أخرى تستلهم موضوعاتها من الواقع بشكل غير مباشر. مسلسل “قطر صغنطوط” مستوحى من قضية “سفاح التجمع”، ويتناول قصة مذيع يتحول إلى قاتل. كما يعالج مسلسل “أب ولكن” معاناة الآباء في رؤية أبنائهم بعد الانفصال.
أخيراً، يطرح مسلسل “إثبات نسب” قضية منتشرة في المحاكم حول سعي امرأة لإثبات نسب طفل أنجبته من زواج عرفي.
رهان على الواقع: مصداقية أم استثمار؟
يرى صناع هذه الأعمال أن الواقع أصبح “أكثر غرابة من الخيال”، بينما يرى النقاد أن هذه الموجة تعكس تحولاً في ذائقة الجمهور نحو القصص التي يشعر أنها تمسه أو سبق أن تابعها كخبر. ويؤكد الناقد أحمد النجار أن الواقع أصبح المصدر الرئيسي لصناع الدراما، وأن بعض الأحداث اليومية “تتجاوز بمراحل خيال أي مؤلف”، مشيراً إلى النجاح الكبير الذي حققته أعمال مثل “سفاح الجيزة”.
بينما يرى البعض أن الاعتماد على قصص حقيقية يمنح الدراما مصداقية وجاذبية جماهيرية، يرى آخرون أنها قد تتحول إلى مجرد “استثمار في الإثارة” إذا لم تُقدم بمعالجة فنية عميقة. يبقى المؤكد أن الموسم الحالي يضع المشاهد أمام دراما تعتبر الواقع هو الحكاية نفسها.
من الأكيد أن هذا الاتجاه سيستمر في مواسم رمضان القادمة، مع ترقب كيفية معالجة الأعمال القادمة لموضوعات جديدة مستقاة من الواقع، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين المصداقية الفنية والجاذبية الجماهيرية.

