أعادت نيتفليكس الحياة إلى سحر عالم الشطرنج من خلال فيلم وثائقي جديد يحتفي بمسيرة جوديت بولجار، لاعبة الشطرنج المجرية التي تعتبر أعظم لاعبة في التاريخ. يأتي هذا الفيلم، “ملكة الشطرنج” (Queen Of Chess)، ليuzzي على نجاح المسلسل الخيالي “مناورة الملكة” (The Queen’s Gambit)، ويعرض قصة حقيقية ملهمة تفوق الخيال، حول عبقرية مكتسبة والجهود الخارقة التي بُذلت لصناعة أسطورة في عالم الشطرنج.
تدور أحداث الفيلم حول تجربة علمية فريدة قام بها لازلو بولجار، أستاذ علم نفس التربية، الذي آمن بنظريته بأن العبقرية يمكن اكتسابها من خلال التربية المناسبة. اختار هو وزوجته لعبة الشطرنج كأداة لهذه التجربة، لخصائصها المجانية وتوفر المدربين، وبدأوا في تدريب بناتهم الثلاث – زوفيا وسوزان وجوديت – لساعات طويلة يومياً، مع توفير تعليم منزلي خاص. واجهت الأسرة شكوكاً وعقبات، بما في ذلك معارضة من السلطات الشيوعية، لكن النتائج كانت مذهلة.
تجربة تحويل العبقرية إلى واقع: قصة بولجار
في عام 1981، انطلقت التجربة التي هدفت إلى إثبات أن العبقرية ليست قدرًا فطريًا بل بناءً مكتسبًا. طبق لازلو بولجار نظريته على بناته الثلاث، زوفيا وسوزان وجوديت، باختيارهم للعبة الشطرنج. وفر لهم الأب والأم بيئة مكثفة تتضمن ساعات تدريب يومية طويلة، وتعليمًا منزليًا، ومدربين متخصصين، كل ذلك لخلق الظروف المثلى لصقل مهاراتهن.
لم تمر سنوات قليلة حتى أصبحت الفتيات بطلات في لعبة الشطرنج، وحققن ميداليات ذهبية في أولمبياد الشطرنج الدولي عام 1988، متفوقات على أقوى لاعبات العالم آنذاك، بما في ذلك فريق الاتحاد السوفيتي المهيمن. لكن الصغرى، جوديت، ولدت عام 1976، خطفت الأنظار بشكل خاص. في سن مبكرة، أصبحت أقوى لاعبة في العالم، وحصلت على لقب “الأستاذة الدولية الكبرى” (Grandmaster) في سن الخامسة عشرة وأربعة أشهر، محطمة الرقم القياسي الذي كان يحمله بوبي فيشر.
“ملكة الشطرنج”: قصة عبقرية على الشاشة
يستعرض الفيلم الوثائقي “ملكة الشطرنج”، الذي أنتجته نتفليكس وأخرجته روري كينيدي، الرحلة المذهلة لجوديت بولجار، مقدمًا نظرة عميقة على حياتها وعقلها، ويعتبر أعظم لاعبة شطرنج في التاريخ. حقق الفيلم نجاحًا فوريًا، وتصدر قوائم الأعمال الأكثر مشاهدة على مستوى العالم.
يُقارن الفيلم بفيلم سابق عن بوبي فيشر، الذي تناول حياته المعقدة وتحدياته الشخصية والسياسية، في حين يركز “ملكة الشطرنج” على الجوانب الإيجابية والإلهام، رغم محاولة المخرجة إضافة طبقات من العمق ربما لم تكن ضرورية.
إشكاليات وثائقية وتساؤلات تربوية
يثير الفيلم تساؤلات حول ما إذا كانت تجربة الأب استغلالاً للأطفال، خاصة مع طبيعة التدريب المكثف. ومع ذلك، يوضح الفيلم أن بنات بولجار نشأن في بيئة مليئة بالحب والدعم، وتحولن إلى رموز للنجاح. كما يسلط الضوء على الاضطهاد السياسي الذي تعرضت له الأسرة قبل انهيار الأنظمة الشيوعية، وعلى التحيز الجنسي ضد النساء في عالم الرياضة.
يُظهر الفيلم كيف تحولت نظرة الحكومة الشيوعية تجاه عائلة بولجار من الشك إلى الدعم بمجرد ظهور بوادر النجاح، وهي ظاهرة تشبه إلى حد كبير ما حدث مع بوبي فيشر. يؤكد الفيلم على أهمية الحب والدعم العائلي في تربية جيل جديد ناجح، وهو ما ظهر جليًا في علاقة بنات بولجار بوالديهن، خاصة الأم.
مستقبل صناعة الشطرنج والعبقرية
يستعرض الفيلم أيضًا التحديات التي واجهت النساء في عالم الشطرنج، رغم أن الشطرنج كان من أوائل الرياضات التي سمحت بمشاركة النساء مع الرجال. ويتطرق الفيلم إلى آراء لاعبين بارزين حول قدرات النساء في اللعبة، ويشير إلى كيف تجاوزت جوديت هذه الآراء لتصبح أعظم لاعبة.
في الختام، يقدم “ملكة الشطرنج” قصة ملهمة عن الإمكانيات البشرية، وعن أن العبقرية يمكن أن تكون نتاج جهد وعزيمة. يستمر الفيلم في إثارة النقاش حول أساليب التربية الحديثة، ودور الحب والدعم في تحقيق الأحلام، ويؤكد على أن الإلهام الحقيقي يأتي من قصص النجاح التي تتحدى الصعاب.

