تتزايد التحفظات الدولية على “مجلس السلام”، الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قبل ساعات من انعقاد اجتماعه الأول غداً الخميس في الولايات المتحدة. ويرى خبراء وباحثون أن المجلس يواجه عقبات جوهرية تتمثل في عدم التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار في غزة، وارتباط المبادرة بشخصية ترامب بدلاً من جعلها خاضعة لعمل مؤسسي، فضلاً عن غياب خارطة طريق واضحة لإدارة القطاع وإعادة إعماره.
ويرى المحللون أن مجلس السلام بآلياته الحالية يفتقر إلى أدوات إلزام حقيقية تجبر إسرائيل على الامتثال لبنود الاتفاق، مما يجعله مجرد إطار شكلي من دون فاعلية تنفيذية. ويُعد اجتماع الغد أول جلسة رسمية للمجلس منذ إطلاقه في 22 يناير/كانون الثاني الماضي، ومن المنتظر أن يتضمن مؤتمراً للمانحين مخصصاً لإعادة إعمار قطاع غزة.
هيمنة أمريكية قد تتجاوز المؤسسات الدولية
تكمن إحدى أبرز نقاط الخلاف حول مجلس السلام في الصلاحيات الواسعة التي يحظى بها، والتي تمنح ترامب حق النقض الحصري على قرارات المجلس، مما أثار مخاوف دولية من أن يتحول هذا الكيان الوليد إلى بديل غير رسمي للأمم المتحدة ومجلس الأمن. وهذا التخوف يستند إلى قراءة دقيقة للميثاق التأسيسي الذي يمنح المجلس صلاحيات تنافس تلك المؤسسية للأمم المتحدة.
ويشير المحللون إلى أن هناك تخوفاً دولياً حقيقياً من أن يتحول مجلس السلام إلى بديل عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، لا سيما أن الهيمنة فيه تبدو مرتبطة بشخص الرئيس الأمريكي وليس بموقع رئيس الولايات المتحدة ومؤسساتها. وهذا يتعارض مع الفلسفة التي قامت عليها الأمم المتحدة، والتي ترتكز أساساً على مجلس الأمن وتوازن القوى.
تتجاوز هذه المخاوف مسألة الصلاحيات إلى جوهر الفلسفة التي يقوم عليها النظام الدولي؛ فالكثير من الدول الحليفة لواشنطن تتحفظ على محاولة إعادة تعريف قواعد الشرعية الدولية وفق رؤية أحادية. ويرى أستاذ العلوم السياسية أن ترامب في تصوره لمجلس السلام يراه مؤسسة أو إطارا ندا للأمم المتحدة، موضحاً أن الصلاحيات التي أعطيت للمجلس تنافس تلك الممنوحة والمنظمة لعمل الأمم المتحدة.
هناك قراءة أوروبية – يدعمها الروس والصينيون – ترى أن خطة السلام التي عرضها ترامب تمثل في جوهرها نقداً للشرعية الدولية السابقة، وتجاوزاً لها، بل وتقويماً عملياً لمشروع حل الدولتين بشكل كامل. هذا الطرح لا يحظى بقبول واسع في المجتمع الدولي، وخصوصاً لدى أوروبا والصين وروسيا، لأن هذه الأطراف ما زالت ترى أن أي تسوية يجب أن تستند إلى المرجعيات الدولية القائمة.
ويصف البعض “مجلس السلام” بأنه “محاولة استعمارية مباشرة للسيطرة على غزة وفلسطين”، ويؤكد أنه “طريقة متخفية بشكل سيء لخداع العالم ليعتقد أن هناك نية للسلام، بينما هي نية للغزو والحكم وسرقة فلسطين من الفلسطينيين”.
مشروع مرتبط بشخص لا بمؤسسة
بينما يمنح ارتباط المجلس “بشخصية ترامب” زخماً آنياً للمبادرة، فإن هذا الارتباط نفسه يشكل نقطة ضعف جوهرية تثير الشكوك حول قدرة المشروع على الاستمرار والدوام. فالمجلس، كما يبدو حتى الآن، يستمد قوته من النفوذ الشخصي للرئيس الأمريكي وليس من بنية مؤسسية راسخة.
يرى البعض أن ارتباط ترامب بإنجازات المجلس كجزء من إرثه هو الذي يمنح المشروع بعض فرص النجاح، لأن ترامب لن يرغب في رؤية أبرز إنجازاته في صنع السلام تنهار. لكنه يحذر في الوقت نفسه من أنه إذا فقد ترامب الاهتمام بالمشروع أو لم يكن مستعداً للعمل كوسيط محايد، فإن فرص النجاح في المستقبل تقترب من الصفر.
هذا الارتباط الشخصي لا يقتصر على مسألة الاستمرارية، بل يمتد إلى طبيعة الصلاحيات الممنوحة لترامب نفسه، فقد أعطى الرئيس الأمريكي لنفسه – وفق الميثاق التأسيسي – صلاحيات وصفها البعض بأنها “دكتاتورية لا يستطيع أن يتحصل عليها في أمريكا نفسها”. وتشمل هذه الصلاحيات حق الدعوة وحق الإلغاء والطرد، وحق التحكم والرئاسة مدى الحياة.
غياب القوى الكبرى
لا يقتصر التحدي الذي يواجه مجلس السلام على البنية الداخلية أو الارتباط الشخصي بترامب، بل يمتد إلى غياب ملحوظ لدول كبرى وحلفاء تقليديين للولايات المتحدة عن المشهد. فقد اختارت دول أوروبية رئيسية مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا عدم الانضمام إلى المجلس، في خطوة تعكس رفضاً واضحاً للنهج الأمريكي في التعامل مع القضايا الدولية.
يشير البعض إلى أن “الكثير من الدول الحليفة لواشنطن لم تدخل هذا المجلس”، وأن هذه الدول تحدثت بوضوح عن أن هذا المجلس بصيغته وميثاقه التأسيسي وبالتصور الذي يطرحه ترامب، عملياً قد يتجاوز حتى مسألة المنافس والند ليصبح بديلاً للأمم المتحدة. والمشكلة تتجاوز ذلك إلى كون المجلس “بديلاً مختزلاً في شخصية ترامب” وليس بديلاً دولياً حقيقياً.
هذا الغياب الأوروبي لا يعكس فقط تحفظات على الصلاحيات الواسعة للمجلس، بل يعبر عن قلق أعمق من محاولة إعادة تشكيل النظام الدولي بشكل أحادي. فالولايات المتحدة نفسها تحولت من دولة تقوم على الحفاظ على قواعد القانون الدولي والنظام الدولي إلى دولة تفككه تحت إدارة ترامب.
غياب العديد من حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين والدول الكبرى عن المشهد يلفت النظر ويعكس ترددهم في الانضمام إلى كيان يسعى الآن لتوسيع نطاقه إلى ما يتجاوز الغرض المقصود من تعزيز وقف إطلاق النار في غزة. وهذا التردد “سيضعف الدبلوماسية الدولية في فترة حرجة”.
أما الدول التي انضمت إلى المجلس، فقد فعلت ذلك على أمل لفت انتباه الولايات المتحدة وتشجيع ترامب نفسه على استخدام النفوذ الذي يتمتع به مع إسرائيل، وليس بالضرورة إيماناً بجدوى المبادرة أو قبولاً بفلسفتها. وهذا يعني أن المجلس يفتقر إلى قاعدة دعم دولية صلبة، ويعتمد بشكل شبه كلي على الإرادة الأمريكية والنفوذ الشخصي لرئيسها الحالي.
هناك مشاكل كبيرة مع هذا المجلس أبرزها الافتقار الكبير للوضوح بشأن نواياه وخططه، إذ يقال إنه أنشئ لمعالجة الأزمة في غزة، ولكن يبدو أن نطاق اختصاصه يمتد الآن إلى ما هو أبعد من ذلك. ومنذ البداية، لم تتم استشارة الفلسطينيين بشأن الدور المحتمل لهذا المجلس، وتم استبعادهم من أي مشاركة.
يخلص البعض إلى أن “المشاكل بدأت مع هذه المبادرة منذ التصور الأولي لها، ومن الواضح أنها ليست مخصصة لمعالجة الأسباب الجذرية للإبادة الجماعية في غزة والوضع الكارثي القائم هناك. كل هذا لن يتحقق ما لم يتم التعامل مع القمع الاستعماري التاريخي واليومي للشعب الفلسطيني، وإلا سيكون هذا المجلس امتداداً لإنكار حقوق الفلسطينيين بموجب القانون الدولي.
واقع غزة يكشف هشاشة المجلس
وبعيدا عن الجدل الدولي حول شرعية المجلس وصلاحياته، تواجه الخطة اختباراً حقيقياً على الأرض في غزة، حيث تكشف الوقائع عن فجوة هائلة بين الطموح المعلن والواقع الميداني. فرغم أن المجلس يفترض أن يشرف على تنفيذ وقف إطلاق النار، فإن إسرائيل واصلت انتهاك بنود الاتفاق من دون أن تواجه أي عقوبات حقيقية.
ويشير البعض إلى أن “إسرائيل لم تنفذ في المرحلة الأولى ما مقداره 80% مما نص عليه الاتفاق، ولم تلتزم بوقف إطلاق النار كما هو منصوص عليه”. وتتجلى هذه الفجوة أيضاً في مسألة الإدارة المدنية لغزة، فقد تم تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة القطاع، لكنها لم يُسمح لها بالدخول إلى غزة لمباشرة أعمالها، والاحتلال الإسرائيلي ما زال يمنعها.
يصف البعض الاجتماع المرتقب بأنه “ربما يكون شكلياً في هذه المرحلة أكثر منه تنفيذياً، وربما الرئيس ترامب يريد الصورة أكثر مما يريد المضمون”. ويضيف أنه “حتى اللحظة هناك كلام كثير عن مجلس السلام، ولكن الفعل قليل، ولا توجد معالجة جوهرية ولا خطوات عملية نحو انسحاب الاحتلال الإسرائيلي”.
يأتي اجتماع مجلس السلام غداً وسط تقدم ضئيل في تعزيز وقف إطلاق النار. والقضايا الأساسية المتعلقة بالحكم والأمن لم تُحدد بعد، ولم تقدم الولايات المتحدة أفكاراً جوهرية حول كيفية سد الفجوة بين الإسرائيليين والفلسطينيين التي تستمر في تقويض التقدم. هناك خطر حقيقي بأن يتوقف وقف إطلاق النار ويبقى سكان غزة عالقين في هذا الوضع الراهن، وهو واقع مريح لإسرائيل لكنه لا يطاق بالنسبة للفلسطينيين.
يخلص المتحدثون إلى أن أي إطار سلام لا يقوم على توازن دولي حقيقي، ولا يملك آليات تنفيذ وضغط، سيبقى رهينة إرادة الأقوى على الأرض، لا رهينة النصوص أو العناوين السياسية. كما أن نجاح أي مبادرة يعتمد بشكل كبير على مشاركة القوى الفاعلة ميدانياً وعالمياً وليس على شخصية نافذة واهتمامها ومدى استعدادها لممارسة ضغوط حقيقية على الاحتلال الإسرائيلي لتنفيذ أي مبادرة أو اتفاق.

