القاهرة – يتجاوز فانوس رمضان كونه مجرد زينة في ليالي الشهر الفضيل، ليصبح رمزاً ثقافياً واجتماعياً عميقاً في الوجدان المصري والعربي، مترجماً فرحة الشهر الكريم وروحانياته. بدأت قصة هذا الفانوس في القاهرة الفاطمية، ومن هناك انتشر ليحتل مكانة خاصة في قلوب الناس، شاهداً على عادات وتقاليد تتوارثها الأجيال، وتتجدد مع كل عام.
يُعد فانوس رمضان بمثابة بشارة أولى لحلول الشهر الكريم، فظهوره يثير مشاعر الحنين والبهجة، ويحول موعد قدوم رمضان من مجرد تاريخ في التقويم إلى حالة إنسانية يعيشها المجتمع بكافة تفاصيله. وبين ضوء فانوس وآخر، تتشكل طقوس عائلية تجمع بين اللعب والاحتفال واستعادة ذكريات الطفولة، ليتحول الفانوس إلى حامل للحكايات والأصوات وضحكات الأطفال.
صوت رفعت: سيمفونية رمضانية مصرية
مع حلول رمضان، تتناغم أصوات زينة رمضان الصاخبة مع الصوت الأيقوني للقارئ الشيخ محمد رفعت، الذي كان تلاوته للقرآن الكريم قبيل الإفطار عبر الإذاعة المصرية، بمثابة إشارة لوقت الإفطار. يمتزج هذا الصوت الروحاني مع أصوات الحياة اليومية في البيوت المصرية، مشكلاً سيمفونية رمضانية فريدة تتميز بها القاهرة، تجمع بين أصوات البيوت والأسواق والمساجد والمقاهي.
يقول محمد إبراهيم (40 عاماً) في حديثه لـ “الجزيرة نت”: “كان صوت الشيخ محمد رفعت إيذاناً بدخول وقت الإفطار، فيسرع كل إلى وجهته، للقاء أحبة يجمعهم مائدة الإفطار، وبعد الآذان وتلاوة الدعاء نتناول حبات من التمر والعصائر المبردة بينما يترقب الأطفال والكبار حلقات من قصص بكار الممتعة”.
مائدة الإفطار: تجمع عائلي يتجاوز الطعام
مع مدفع الإفطار، تبدأ الخطوات المتسارعة نحو موائد الطعام التي تجمع العائلة، مؤكدة على أهمية الدفء العائلي والاستقرار الأسري. تتصدر الموائد المصرية أطباق تقليدية شهيرة مثل الفتة باللحم، والمحاشي، والملوخية، والبط المشوي، والمكرونة بالبشاميل، لتكون هذه الوجبة أكثر من مجرد طعام، بل فرصة ثمينة للتواصل.
يستعد عبد الله رضوان (خمسيني) لما يصفه بـ”أجمل لحظاته في رمضان”، حيث يلتقي بأفراد عائلته الكبيرة على سطح أحد المنازل، معتبراً هذه اللقاءات فرصة ذهبية لصلة الرحم. ورغم أن البعض، مثل محمد إبراهيم، يجد صعوبة في الحفاظ على هذا التجمع بسبب الغربة، إلا أنهم يسعون لاستعادته عبر وسائل التواصل.
مائدة وشنطة وصور جديدة للإطعام
تنتشر صور الإطعام الخيري في الشوارع والساحات العامة، حاملةً الأمل للمحتاجين. وبينما تراجعت موائد الرحمن التقليدية، يبرز الآن الإفطارات الجماعية للأهالي في الأحياء والمدن، مما يجمع بين فئات المجتمع المختلفة في ملتقى واحد.
يشير عمرو علي الدين، المحامي (38 عاماً)، إلى تجارب ناجحة لصناعة إفطارات جماعية واسعة النطاق، مما يعكس روحاً مجتمعية متنامية. ويعتقد أن وصول الوجبات للفقراء عبر الجمعيات الخيرية والمؤسسات قد قلل من الحاجة لتجمعات محددة مثل موائد الرحمن.
بالتوازي، يبرز مشهد توزيع “شنطة رمضان” التي تحتوي على السلع الغذائية الأساسية، وهو تقليد يجد فاعلية كبيرة في القرى المصرية نظراً للتلاحم الاجتماعي، حسب ما يراه علي الدين.
الشباب وجيل زد.. بين “رمضانين”
يشهد رمضان الحالي تبايناً في طريقة تفاعل الأجيال مع الشهر الكريم. فبينما يغرق جيل زد في عالم وسائل التواصل الاجتماعي وبرامج الترفيه، تتزايد الضغوط على الأسر في محاولة للتوفيق بين رغبات الأبناء وروحانية الشهر وعاداته التقليدية.
تقول ندى (15 عاماً): “نحن جيل المواقع الافتراضية، ورمضان بالنسبة لنا متنوع، بين من يبحث عن التسلية والمسلسلات والسهر وبرامج المقالب مثل رامز جلال، ومن يسعى للتجاوب مع الشهر كترند، وما بين من يسعى للتقرب إلى الله”.
يصف عماد الحكيم، خبير اجتماعي، هذا التباين بأنه “تحدٍ” للأسر، حيث يمثل رمضان فرصة للنوم والسهر للشباب، عكس الأجيال السابقة. وتبرز أهمية الاستشارات المقدمة للأسر في التعامل مع هذه الاختلافات.
الأسواق لا تنام ولا تتوقف
تكتسب الأسواق إيقاعاً مميزاً في رمضان، حيث تتزين المعارض والمحال بزينة الشهر الكريم والفوانيس، بالتوازي مع معارض “أهلاً رمضان” التي توفر السلع بأسعار تنافسية. التسوق في رمضان يُعد جزءاً من احتفاليات الشهر وعادة استهلاكية عريقة.
تلعب المرأة المصرية دوراً محورياً في هذا المشهد، كونها المسؤولة عن تجهيز الطعام، وتسعى للاستفادة من العروض المتاحة لتوفير موائد متنوعة في ظل الظروف الاقتصادية.
أجواء مسائية متنوعة
في مساءِ رمضان، تصدح المآذن بآيات القرآن الكريم، خاصة من الجامع الأزهر ومسجد الحسين، مضيفةً بعداً روحانياً خاصاً. تتزين القاهرة بأجواء مسائية نابضة بالحياة، حيث تمتلئ الشوارع والمقاهي والخيام الرمضانية بالحركة والبهجة حتى وقت السحور.
يصف الشاب محمد حسن هذه الأجواء بأنها “مهرجان دائم لمدة 30 يوماً”، يوازي المهرجان الديني، مشيراً إلى استمرار الأجواء الاحتفالية والروحانية التي تميز هذا الشهر.
مع اقتراب نهاية الشهر، يبقى الترقب لمواسم العيد، والتساؤلات حول مدى استدامة هذه العادات الاجتماعية والروحانية في ظل التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها مصر والمجتمع العربي.

