دراسة تكشف: عدوى السل تزيد خطر فطر “كريبتوكوكس” الفتاك
كشفت دراسة علمية حديثة أن العدوى المتزامنة ببكتيريا السل وفطر “كريبتوكوكس نيوفورمانس” يمكن أن تؤدي إلى تفاقم خطير في مسار المرض. يعزز هذا التفاعل البيولوجي قدرة الفطر على إحداث أضرار أشد داخل الجسم، مما يسلط الضوء على مخاطر العدوى المزدوجة في الرئة، خاصة في المناطق التي ينتشر فيها السل على نطاق واسع.
فطر “كريبتوكوكس نيوفورمانس” هو نوع من الفطريات المجهرية المغلفة بكبسولة سكرية سميكة. يعيش هذا الفطر في البيئة، خاصة في التربة الملوثة بفضلات الطيور، ويمكن أن ينتقل إلى الإنسان عبر استنشاق الأبواغ أو الخلايا الفطرية العالقة في الهواء.
استقرار الفطر وخطر الإصابة
يستقر فطر “كريبتوكوكس نيوفورمانس” غالباً في الرئتين وقد يسبب عدوى خفيفة أو كامنة. لكنه يشكل خطراً كبيراً لدى الأشخاص ضعيفي المناعة، إذ يستطيع الانتشار عبر مجرى الدم إلى الدماغ مسبباً التهاب السحايا الفطري، وهو مرض قد يكون مميتاً إذا لم يشخص ويعالج مبكراً.
ويعد هذا الفطر من أبرز مسببات الوفيات المرتبطة بالعدوى الفطرية عالمياً، خصوصاً بين مرضى نقص المناعة المكتسب وحالات تثبيط المناعة الأخرى. وتشير تقديرات عام 2020 إلى أن نحو 112 ألف وفاة عالمياً ارتبطت بهذا النوع من الالتهاب السحائي، مما دفع منظمة الصحة العالمية لتصنيفه ضمن فئة “الأولوية الحرجة” في قائمة مسببات الأمراض الفطرية.
كيف يعزز السل ضراوة الفطر؟
على الرغم من أن بكتيريا “المتفطرة السلية” المسببة لمرض السل لا تزال من أبرز أسباب الوفاة الناجمة عن عدوى بكتيرية عالمياً، فقد تزايدت الأدلة على أن الإصابة المتزامنة بالسل وفطر “كريبتوكوكس” ترتبط بارتفاع ملحوظ في معدلات الوفاة مقارنة بالإصابة الفطرية وحدها. وبقيت طبيعة التفاعل بين الممرضين داخل الجسم غير مفهومة بشكل كافٍ حتى الآن.
وانطلقت الدراسة الحالية من فرضية أن وجود بكتيريا السل قد يدفع الفطر إلى تغيير خصائصه البيولوجية بطريقة تزيد من ضراوته. وأظهرت التجارب المخبرية أن الفطر، عند تعريضه لأنواع من المتفطرات، غير كثافة خلاياه ودرجة تنوعها، كما ازداد حجم الكبسولة المحيطة به. وتعد زيادة حجم هذه الكبسولة الواقية من السمات المرتبطة بارتفاع قدرة الفطر على التهرب المناعي وتعزيز بقائه داخل أنسجة المصاب.
فهم دور المناعة في العدوى المزدوجة
كما أجرى الباحثون محاكاة لبيئة الرئة في حالة العدوى المزدوجة، ولاحظوا أن خلايا الجهاز المناعي كانت أكثر عرضة للاختراق من قبل الفطر عندما كانت معرضة لبكتيريا السل، مقارنة بالحالات التي يغيب فيها العامل البكتيري. وتشير هذه النتائج إلى أن التقاء الممرضين لا يعني فقط اجتماع خطرين منفصلين، بل يؤدي إلى تفاعل يعيد تشكيل استجابة المناعة، بما يسمح للفطر بالتوغل بشكل أعمق وأسرع.
ويرى الباحثون أن الالتهاب المزمن الذي يسببه السل في الرئة قد يهيئ بيئة مناسبة لتحولات فطرية تزيد من شدة العدوى. في حين قد يضعف الإجهاد المناعي المصاحب للسل قدرة الجسم على احتواء الفطر في مراحله الأولى، ما يرفع احتمالات انتشاره إلى الجهاز العصبي المركزي.
التداعيات المستقبلية والخطوات التالية
تثير هذه النتائج تساؤلات سريرية مهمة بشأن ضرورة تعزيز برامج التشخيص المبكر للعدوى الفطرية لدى مرضى السل، خصوصاً في المناطق المتوطنة. كما تطرح إمكانية تطوير استراتيجيات علاجية تأخذ في الحسبان التفاعل بين البكتيريا والفطر بدل التعامل مع كل عدوى بمعزل عن الأخرى.
ويخطط فريق البحث للانتقال إلى دراسات على نماذج حيوانية بهدف التحقق من هذه النتائج ضمن جهاز مناعي كامل وفي ظروف أكثر تعقيداً، تمهيداً لاستكشاف انعكاساتها العلاجية المحتملة. وتؤكد الدراسة أن فهم التفاعلات بين العوامل الممرضة المختلفة داخل الجسم قد يكون مفتاحاً لتقليل عبء أمراض معدية لا تزال تحصد أرواحاً، خاصة في البيئات التي يتقاطع فيها السل مع ضعف المناعة وتنتشر العدوى الفطرية بصمت قد يتحول إلى تهديد قاتل.

