تتبنى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفًا متشددًا في سياستها الخارجية مع دول نصف الكرة الغربي، مستندة إلى هدف استراتيجي واضح يتمثل في مواجهة النفوذ الصيني، وذلك في إطار سعيها لإعادة تكريس هيمنة الولايات المتحدة في المنطقة التي تعتبرها “منطقة نفوذ حصري”. يسعى ترامب إلى التصدي لبكين عبر مجموعة من مستشاريه في السياسة الخارجية، بمن فيهم وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ووكيل وزارة الحرب للشؤون السياسية.
وفقًا لتقرير نشره موقع “بوليتيكو”، فإن الدافع الرئيسي وراء هذه السياسات العدائية في نصف الكرة الغربي هو “التصدي لبكين”. يجمع كبار مستشاري ترامب، بمن فيهم وزير الخارجية ماركو روبيو ونائب الرئيس جي دي فانس، قناعة راسخة بأنه على الولايات المتحدة “تطهير” المنطقة من النفوذ الصيني، معتبرين أنه لا يمكن الدفاع عن الوطن دون الهيمنة في نصف الكرة الغربي. هذا التوجه يعكس جدية الإدارة الأمريكية في التعامل مع التوسع الاقتصادي الصيني كـ “تهديد للأمن القومي”.
مبدأ مونرو لمواجهة النفوذ الصيني
يعود هذا التوجه إلى إحياء “مبدأ مونرو”، وهو سياسة أُعلنت عام 1823 وتعتبر الأمريكتين منطقة نفوذ حصري للولايات المتحدة، بهدف “مواجهة الخصوم” وتعزيز الهيمنة الأمريكية. تسعى الإدارة إلى استعادة هذه الهيمنة من خلال السيطرة على الهجرة ووقف تهريب المخدرات، وهما هدفان يربطان بين التحركات ضد الصين ومساعي تأمين الحدود.
على الرغم من زيارة مرتقبة للرئيس ترامب إلى بكين، فقد اتخذت إدارته خلال الأشهر الأولى من العام الحالي إجراءات تهدف إلى إضعاف موقف الصين في الأمريكتين. وتُعد قضية اعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، الذي كانت بكين أكبر مشترٍ لنفطه وأحد أبرز شركائها الاقتصاديين، مثالًا واضحًا على هذه الاستراتيجية.
تعمل إدارة ترامب أيضًا على زعزعة استقرار الحكومة الكوبية وتهديد بنما، وهي أول دولة في أميركا اللاتينية تنضم إلى مبادرة “الحزام والطريق” الصينية. كما توترت العلاقات مع البرازيل، أكبر شريك تجاري للصين في المنطقة، مع تصريحات حول ضرورة امتلاك الولايات المتحدة لجرينلاند لمنع الصين وروسيا من ترسيخ موطئ قدم لهما في المنطقة.
واجهت إدارة ترامب أيضًا تحديات في زعزعة استقرار دول أميركا اللاتينية التي عززت علاقاتها مع الصين، مثل فقدان الحكومة البيروفية السيطرة التنظيمية على ميناء تشانكاي الضخم الذي بنته وتديره الصين. وتؤكد الولايات المتحدة على ضرورة أن تتخذ الحكومات في نصف الكرة الغربي قرارات مدروسة في تعاملاتها مع الصين.
مخاوف من تداعيات سلبية
حظي الموقف المتشدد للإدارة الأميركية بإشادة من قادة أميركا اللاتينية ذوي الميول اليمينية، لكنه قد يأتي بنتائج عكسية في أجزاء أخرى من المنطقة التي تخشى عودة “دبلوماسية الزوارق الحربية” الأميركية، مما يدفع حكوماتها إلى الاقتراب أكثر من بكين. يحذر الخبراء من أن استدعاء “مبدأ مونرو” قد يترك أثرًا سلبيًا على المدى الطويل، ويفتح فرصًا واسعة أمام الصين مستقبلاً.
تشير التقديرات إلى أن حجم التبادل التجاري بين الصين وأميركا اللاتينية بلغ 565 مليار دولار في عام 2025، مقارنة بـ 346 مليار دولار مع الولايات المتحدة. كما وقعت بكين اتفاقيات مع 22 دولة في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي للانضمام إلى مشاريع البنية التحتية ضمن مبادرة “الحزام والطريق”.
تواجه الولايات المتحدة تحديًا في تقديم بديل مستدام للبنية التحتية الممولة من الصين، نظرًا لحجم الاستثمارات الصينية في المنطقة. ومن المقرر أن يعقد ترامب اجتماعًا مع قادة أميركا اللاتينية في مارس المقبل، قبل أسابيع قليلة من قمته مع نظيره الصيني في بكين، حيث ستظهر مدى قدرة الولايات المتحدة على إقناع دول المنطقة بتقليص علاقاتها الاقتصادية مع الصين.

