يستعد الموسم الدرامي السوري لعام 2026 للانطلاق بقوة، مع منافسة محتدمة تعود لتزين البيوت وموائد الإفطار الرمضانية. يشهد هذا العام توسعاً ملحوظاً في الدراما الاجتماعية بنبرة أكثر جرأة، إلى جانب أعمال تتناول بشكل مباشر مرحلة حكم النظام السابق وتداعياتها، وتفتح ملفات طالما ظلت مغلقة في الساحة الدرامية.
من أبرز الأعمال التي تبرز في قائمة هذا الموسم، أعمال توثق تجارب السجون والانتهاكات، مثل مسلسل “القيصر.. لا مكان لا زمان” المستوحى من شهادات معتقلين سابقين، ومسلسل “الخروج إلى البئر” الذي يقترب من وقائع سجن صيدنايا وتاريخه المؤلم. وعلى الصعيد الاجتماعي، يقدم مسلسل “عيلة الملك” قصة صعود شخصية “جبري الملك” في ظل تحولات كبرى، بينما يغلب التشويق على أعمال مثل “مولانا” و”سعادة المجنون”. يضاف إلى ذلك أعمال اجتماعية أخرى مثل “مطبخ المدينة” الذي يستعرض قضايا يومية من قلب العائلة، ولا تغيب الكوميديا مع عودة الفنان محمد أوسو في عمل جديد.
الدراما السورية 2026: جرأة غير مسبوقة في تناول القضايا
أطلقت لجنة صناعة السينما والتلفزيون الموسم الدرامي الرمضاني السوري لعام 2026، معلنة عن 21 عملاً درامياً تم تصويرها داخل الأراضي السورية، وبلغت تكلفة إنتاجها الإجمالية نحو 25 مليون دولار. جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي في دمشق تحت عنوان “الدراما السورية مرآة الحكاية”.
من جانبه، أكد أمين سر اللجنة الوطنية للدراما، نضال الحبال، أن الموسم الحالي يمثل اختباراً لجدارته في طرح قضايا جريئة، مشيراً إلى الفروقات الواضحة بين المواسم قبل وبعد سقوط النظام، حيث تظهر جرأة أكبر في الطرح ومواضيع تطرح بقوة لأول مرة. وأوضح الحبال أن الدراما السورية في الموسم الحالي تنطلق مرة أخرى، ويتميز تنوعها بتسليط الضوء على أمور لم تطرح سابقاً، مما يمنحه زخماً خاصاً وخطوة في الاتجاه الصحيح.
وأكد الحبال سعي اللجنة الوطنية للدراما لأن تكون الحرية هي الأصل، مع التأكيد على المسؤولية. وأشار إلى أن الممنوع حالياً يقتصر على ما هو ممنوع قانونياً أو ما لا يقبله المجتمع بشكل أو بآخر. وسيحدد الموسم الحالي سقف الحريات، موضحاً الفروق بين المواسم قبل وبعد سقوط النظام، ومشيداً بالجرأة في طرح المواضيع التي لم تطرح سابقاً.
“لا وجود للتابوهات” والرغبة في التجديد
صرح علي عنيز، رئيس اللجنة الوطنية لصناعة السينما والتلفزيون، بأن “لا وجود للتابوهات والمحظورات الرقابية هذا العام”. وأوضح أن العمل تم بناءً على تقييم ذاتي للمنتجين، وبدورها قامت اللجنة الوطنية للدراما بتقييم فكري للأعمال. ووصف عنيز أعمال الموسم الدرامي الحالي بأنها “حكايا جزء منها كان يحدث في الواقع”، تجمع بين التوثيق والدراما، مؤكداً على وجود كفاءات عالية قادرة على توظيف الأعمال التوثيقية بطريقة درامية صحيحة.
وأشار عنيز إلى أن الموسم الدرامي الماضي والحالي، تحت إشراف اللجنة الوطنية للدراما، اتسما بحالة من التسهيلات، بالإضافة إلى جرأة وسقف عالٍ في الطرح. وأوضح أن الأعمال ذات الإنتاج الضخم، والتي تعرض على قنوات كبيرة، تدعم الدراما السورية لتبوأ موقعاً هاماً.
“عيلة الملك” و”القيصر”: سرديات من الماضي
تحدث المخرج محمد عبد العزيز عن مسلسل “عيلة الملك” قائلاً إن العمل يحمل في جوانب كثيرة توثيقاً للمستوى الاجتماعي، السياسي، والأمني في سوريا قبل سقوط النظام بأشهر. واستشهد بمشهد “الفرار” بالطيران الذي صُوّر في مطار المزة العسكري بدمشق، والذي يجسد شخصية أحد المقربين من الرئيس السابق بشار الأسد، ممن كانوا يتمتعون بنفوذ مالي وأمني واسع، وعلى خلفية هذا “الفرار” تتكشف مصائر شخصيات مؤثرة في العمل. وأضاف عبد العزيز أن “عيلة الملك” يستند إلى حقائق، خاصة الخط الرئيسي للنص حول رجال الأعمال الذين كانوا يتعرضون للمساءلات والاعتقالات والإتاوات، وخطوط أخرى اجتماعية لها علاقة بالمعتقلين، مستوحاة مما كان يحدث في عهد النظام السابق.
في سياق متصل، قال محمود الشمسيني، الرئيس التنفيذي لشركة الأديب للإنتاج الفني، إن مسلسل “القيصر – لا زمان لا مكان” يشكل حالة توثيقية تجسد آلام السوريين وتصدرها إلى الخارج، لتكون شهادة على ما حدث، وليس محاولة لإعادة فتح الجراح. ورداً على انتقادات سرعة إنتاج العمل، أوضح الشمسيني أن “العمل جاء انطلاقاً من أن ذاكرة الشعوب قصيرة، ويجب أن توثق هذه الأحداث بسرعة كي لا تنسى، لا سيما أنه بعد سقوط النظام بدأ كثيرون بإنكار وجود سجن صيدنايا والتعذيب الحاصل به”. ونوه إلى أنه لم يتم التصوير داخل السجون أو الأفرع الأمنية، باعتبارها مسرح جريمة، ولكن تم إنشاء “لوكيشن” مشابه للتصوير فيه.
يجدر بالذكر أن نجاح هذه الأعمال وتأثيرها سيعتمد بشكل كبير على كيفية معالجة القضايا الحساسة، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين التوثيق والدراما، وبين الجرأة والمسؤولية. ويبقى السؤال مفتوحاً حول مدى استمرارية هذا الزخم الفني والإنتاجي في المواسم القادمة.

