كشفت دراسة علمية حديثة أجراها باحثون من تايوان والمملكة المتحدة عن دور جيني جديد، يُعرف باسم FOXJ3، قد يفسر أحد أكثر أشكال الصرع تعقيداً ومقاومة للعلاج، وهو الصرع البؤري المقاوم للأدوية المصحوب بخلل التنسج القشري البؤري. أظهرت النتائج المنشورة في دورية Nature Communications أن طفرات في هذا الجين ترتبط بتطور هذه الحالة، مما يفتح آفاقاً جديدة لفهم وعلاج الصرع.
وفقاً للباحثين، يعمل جين FOXJ3 كمنظم رئيسي لتشكيل طبقات القشرة الدماغية خلال التطور المبكر للجنين. يؤدي اختلال وظيفته إلى اضطراب في بناء هذه الطبقات، مما يخلق بيئة عصبية مهيئة لنوبات صرع قد لا تستجيب للعلاجات الدوائية التقليدية.
خلل التنسج القشري البؤري وجين FOXJ3
يُعد خلل التنسج القشري البؤري اضطراباً نمائياً يؤدي إلى تشكل غير طبيعي لطبقات القشرة الدماغية، مما يسبب توزيعاً غير منتظم للخلايا العصبية. هذا الخلل البنيوي يرتبط بنشوء بؤر كهربائية غير مستقرة وتمهد لحدوث نوبات صرع متكررة، مما يجعله أحد أبرز الأسباب الكامنة وراء الصرع المقاوم للعلاج الدوائي، خاصة لدى الأطفال والشباب.
أظهرت الدراسة الحديثة أن جين FOXJ3 يلعب دوراً محورياً في تنظيم مسار الإشارات PTEN–mTOR، وهو نظام حيوي يتحكم في نمو الخلايا وانقسامها وأيضها وبقائها. عند اختلال هذا المسار، قد تنشأ مجموعة من الاضطرابات العصبية، بما في ذلك خلل التنسج القشري البؤري. وبالمقارنة مع حالات طبيعية، لوحظ أن نشاط جين FOXJ3 يكون مرتفعاً في الخلايا السلفية العصبية خلال المراحل المبكر، ثم ينخفض عند نقطة انتقالية حاسمة. وعند اختلال وظيفته، تفشل الخلايا العصبية في الوصول إلى مواقعها الصحيحة، مما يؤدي إلى تراكمها في طبقات غير ملائمة داخل القشرة الدماغية.
حدد الباحثون أن جين FOXJ3 ينظم بشكل مباشر نشاط جين PTEN، وهو أحد أهم المثبطات الطبيعية لمسار mTOR. عندما تعجز طفرات FOXJ3 المرتبطة بالمرض عن تنشيط PTEN، ينشط مسار mTOR بشكل مفرط، ما يؤدي إلى تكوّن خلايا عصبية كبيرة الحجم وغير طبيعية الشكل، وهي سمة مرضية شائعة في أدمغة المصابين بخلل التنسج القشري البؤري. وتشير التجارب إلى أن إعادة تنشيط PTEN في نماذج تجريبية كانت كافية لتصحيح التشوهات القشرية، مما يبرز وجود محور جزيئي حاسم يربط بين FOXJ3 وPTEN ويتحكم في تطور القشرة الدماغية.
أهمية الاكتشاف وتداعياته
تمت الدراسة، التي جمعت بيانات جينية لمرضى من تايوان والمملكة المتحدة، بتحليل معمق للعائلات التي تعاني من الصرع البؤري الوراثي، بالتوازي مع تجارب مخبرية على نماذج حيوانية وخلايا مفردة. كشفت النتائج أن الطفرات في جين FOXJ3 تعطل آليات هجرة الخلايا العصبية إلى مواقعها الصحيحة خلال المراحل المبكر من التطور، كما تؤثر لاحقاً في الأدوار الوظيفية لهذه الخلايا.
يُعد هذا الاكتشاف خطوة متقدمة نحو فهم الجذور البيولوجية للصرع وتشوهات القشرة الدماغية، ويفتح آفاقاً واعدة لتطوير علاجات تستهدف هذه المسارات الجزيئية بدقة أكبر. وعلى الصعيد السريري، تفتح هذه المعطيات الباب لتحسين دقة التشخيص الجيني لدى مرضى الصرع البؤري، خاصة أولئك الذين لا يكشف التصوير بالرنين المغناطيسي لديهم عن تشوهات واضحة، كما تمهد الطريق لتطوير علاجات موجّهة تستهدف مسار mTOR بشكل مباشر.
يُعتبر الصرع من أكثر الاضطرابات العصبية انتشاراً عالمياً، ويصيب أكثر من 50 مليون شخص. ونظراً لأن عدداً كبيراً من المرضى لا يستجيب للعلاجات المتاحة، فإن فك شيفرة الأسس الجينية والتطورية للمرض يمثل خطوة محورية نحو ابتكار استراتيجيات علاجية أكثر فاعلية. وقد يوفر هذا الفهم الأساس للاستشارات الوراثية والتخطيط الأسري، ويساهم في تطوير أساليب علاجية أكثر تقدماً، بما يمهد لمرحلة جديدة من الإدارة الدقيقة والفعالة لهذا المرض المعقد.
يُشير الباحثون إلى أن خلل التنسج القشري البؤري من النوع الثاني لا يزال السبب الأكثر شيوعاً للصرع المقاوم للأدوية، حتى لدى بعض المرضى الذين تبدو صور الرنين المغناطيسي لديهم طبيعية. ويبقى البحث مستمراً لتحديد الأسباب الجذرية لمثل هذه الحالات.

