في ظل هيمنة النظام الرأسمالي، باتت مفاهيم مثل التطوير الذاتي والإنتاجية المستمرة تُشكّل ضغوطاً نفسية متزايدة، حيث تُعيد هذه المنظومة تشكيل إدراك الأفراد لذواتهم وللعالم المحيط بهم، ساحبةً صحتهم النفسية والعقلية إلى عالم الأرقام والحسابات. هذا الواقع يخلق حالة مستمرة من عدم الشعور بالكفاية، ويغرق الكثيرين في فخ السعي الدائم للتطور دون إدراك العواقب الوخيمة على الصحة النفسية.
يرصد باحثون في علم النفس الاجتماعي والثقافي كيف تتحول الرسائل المحفزة في ثقافتنا المعاصرة، مثل “استثمر في نفسك” و”طور ذاتك”، إلى أدوات تساهم في خلق شعور دائم بالضغط والقلق. هذه المفاهيم، رغم جاذبيتها للوهلة الأولى، قد تخلق مسارات غير مرئية تؤثر سلباً على الصحة العقلية، مما يدفع الأفراد إلى ما يمكن وصفه بـ”الأزمة التي لا نسميها”.
أفخاخ نفسية غير مرئية تحت وطأة الرأسمالية
يُشير كريم بتاش، الباحث في علم النفس الاجتماعي والثقافي بجامعة “هونغ كونغ” الصينية، في دراسة حملت عنوان “الأزمة التي لا نسميها: سيكولوجية الرأسمالية”، إلى عدة أفخاخ نفسية غير مرئية تنشأ عن آليات النظام الرأسمالي. يصف بتاش هذه الظواهر بأنها تأثيرات جانبية للنظام الاقتصادي العالمي على الصحة النفسية للأفراد.
من بين هذه الأفخاخ، يبرز “فخ الريادة” الذي يحول الأفراد إلى سلع قابلة للتطوير المستمر، حيث تصبح الرغبة في التعلم نمطاً يخدم “متلازمة أولوية الربح”. يتحول الفرد إلى علامة تجارية تتطلب تحسيناً دائماً للبقاء في سوق العمل، مما يولد ضغطاً مستمراً، وقلقاً، واحتراقاً نفسياً، حيث يُنظر لأي توقف على أنه خسارة استثمارية.
يُعد “فخ العائد من العلاقات الإنسانية” أحد أخطر المسارات التي تسيطر بها الرأسمالية على عقول البشر. تنتقل لغة الاستثمار والحسابات من بيئة العمل إلى الحياة الشخصية، فيبدأ الأفراد في استثمار العلاقات وحساب “العائد” من الصداقات، معتبرين الالتزامات العائلية واحتياجات المحيطين عبئاً يعيق تقدمهم. يؤدي هذا إلى تآكل الروابط الاجتماعية وتحولها إلى نماذج نفعية هشة، وانتشار ظاهرة العزلة الاجتماعية.
كما يوضح بتاش “فخ المنافسة الصفرية”، وهي متلازمة تجعل الفرد في صراع دائم مع الآخرين، حيث يُنظر إلى الزملاء على أنهم تهديد، مما يخلق بيئة عدائية ويقلل من التعاطف. ويرتبط هذا بزيادة مخاطر المشاكل النفسية، حيث يُربط الرفاهية والنجاح بالتفوق على الآخرين بدلاً من التعاون.
“خصخصة المعاناة” هي آلية أخرى، حيث تُحوّل المشاكل الناتجة عن النظام الاقتصادي إلى “عيوب شخصية” تتطلب حلولاً فردية “رأسمالية” أيضاً. يتجلى ذلك في التطبيع مع اضطرابات مثل القلق والاكتئاب، وتقديم حلول مثل التأمل أو دورات المرونة النفسية التي تتطلب دفع المال. بدلاً من النظر إلى القلق كاستجابة منطقية لظروف معيشية قاسية، يُنظر إليه كفشل فردي في تطوير الذات، مما يعمق الشعور بالذنب والدونية.
أخيراً، يتحدث بتاش عن “فخ الهوية التملكية”، الذي يربط قيمة الإنسان بما يملكه وقدرته على عرض نجاحاته. هذا الارتباط بين النجاح المادي والتحقق الذاتي، حسب الدراسات، يؤدي إلى مستويات أعلى من الاكتئاب وانخفاض الرضا عن الحياة.
أمراض نفسية أم أعراض جانبية للنظام الرأسمالي؟
تطرح أستاذة الطب النفسي جوانا مونكريف، في دراسة بعنوان “الاقتصاد السياسي لنظام الصحة النفسية”، تساؤلات حول مدى حيادية أنظمة الصحة النفسية الحالية، مشيرة إلى ارتباطها بالنظام الرأسمالي. تجادل مونكريف بأن الكثير من المشاكل النفسية، مثل الاكتئاب والقلق، قد لا تكون ناتجة عن اختلال بيولوجي حصراً، بل قد تنبع من ظروف الحياة مثل ضغط العمل، الفقر، والشعور بعدم الاستقرار والمنافسة.
في بيئات العمل المعاصرة، تسهم “ثقافة الخوف واللوم” المتزايدة، مع تزايد المهام والمراقبة المستمرة للأداء، في القضاء على الشعور بالأمان. هذا يؤدي إلى احتراق نفسي وتدهور في الروح المعنوية، في حين يتوقع من العمال التحلي بالمرونة والكفاءة والانصياع المستمر.
تشير مونكريف إلى أن النظام الرأسمالي، الذي يرتبط ببعض ممارساته بالمعاناة، يميل إلى تحويل هذه المعاناة إلى “خداع المرض”. يتم تصوير المشكلات المجتمعية على أنها مشاكل فردية، وتحويل مشاعر الحزن أو عدم الرضا إلى “اضطرابات كيميائية” تتطلب علاجاً دوائياً. هذا يزدهر بسوق الأدوية، خاصة مضادات الاكتئاب والقلق، مما يساهم في استقرار النظام بدلاً من تغييره، وعزل الفرد عن سياقه الاجتماعي.
توضح مونكريف أنها لا تدعي أن كل التشخيصات النفسية هي خداع، أو أن الأدوية بشكل عام أدوات رأسمالية بحتة. بدلاً من ذلك، تشير إلى احتمالية إساءة الاستخدام والتوسع في تفسير المعاناة على أنها اضطرابات بيولوجية فقط، مما يسهل وصف العديد من أشكال المعاناة بأنها “أمراض رأسمالية”.
الخروج من الدائرة المفرغة
على الرغم من عدم وجود حلول سحرية لمعالجة التأثيرات النفسية للنظام الاقتصادي العالمي، إلا أن هناك استراتيجيات لتقليل آثاره. من أهمها، إعادة تعريف المعاناة وتصنيف المشكلات الناتجة عن النظام الاقتصادي على أنها “استجابة” للظروف وليست “مرضاً” ذاتياً. كما يُعد بناء روابط اجتماعية قوية، وإعطاؤها الأولوية على المكاسب المادية، وتخصيص وقت لأنشطة ذات قيمة جوهرية غير ربحية، أمراً ضرورياً.
يُنصح بتقليل ربط القيمة الذاتية بالممتلكات المادية، والتركيز على أهداف أعمق مثل العلاقات النفسية العميقة. كما أن البحث عن بيئات عمل تدعم رفاهية الموظفين، وتطهير اللغة الشخصية من مصطلحات السوق، وإدراك أن “الفشل” ليس هزيمة شخصية، والتعامل مع المشاعر السلبية كدوافع للفهم العميق للواقع، كلها خطوات ضرورية للتخفيف من الآثار السلبية للنظام.
وتظل الأسئلة حول كيفية تحقيق توازن صحي بين متطلبات النظام الاقتصادي والرعاية الذاتية، والتطور المستمر للسياسات الاقتصادية وتأثيرها على الصحة النفسية، محاور بحثية مهمة في المستقبل المنظور.

