في خضم استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة وارتفاع التوترات على جبهات أخرى، تتزايد التحذيرات من أن الضغوط الاقتصادية قد لا تنتهي بوقف القتال، بل قد تدخل مرحلة جديدة تتسم بـ “تضخم ما بعد الحرب“، وهو مصطلح يشير إلى الارتفاع المستمر في الأسعار الذي قد يعقب فترات النزاع المسلح. وعلى الرغم من مؤشرات أسعار اعتدلت مؤخرًا، فإن المخاوف تتزايد بشأن تأثير الإنفاق العسكري المستمر واتساع العجز المالي على المدى المتوسط.
هذا الوضع يثير قلق الخبراء الاقتصاديين، حيث تشير الدراسات إلى أن الحروب غالبًا ما تترك ندوبًا اقتصادية طويلة الأمد، تتجاوز مجرد الخسائر المادية المباشرة. فالاعتماد المتزايد على الإنفاق الدفاعي قد يحد من قدرة الاقتصاد على التعافي والنمو، مما يتطلب تدابير استثنائية لتجاوز هذه التحديات.
تحذير أكاديمي: انتعاش غير مضمون
يعرب البروفيسور إفرائيم بنملخ، المتخصص في دراسة أثر الحروب على الاقتصادات، عن شكوكه بشأن التعافي السريع للاقتصاد الإسرائيلي بعد انتهاء العمليات العسكرية. ويرى بنملخ أن البيئة الحالية تختلف عن الأزمات السابقة، حيث أن الإنفاق الأمني لم يعد يتراجع بعد الأزمات، بل يستمر في التباطؤ.
ويشير إلى أن استمرار مسار الإنفاق المرتفع قد يحد من قدرة الاقتصاد على استعادة زخمه في وقت قصير، رغم التوقعات الوردية التي قد تسود. ويستند تحذيره إلى دراسة واسعة النطاق.
دروس من 135 حربًا: تضخم ونمو أضعف
تستند تحذيرات بنملخ إلى تحليل لـ 135 حربًا شاركت فيها 115 دولة في 75 عامًا بعد الحرب العالمية الثانية. خلصت الدراسة إلى أن الناتج الحقيقي في الدول المتورطة بالنزاعات ينخفض بنسبة 13% خلال العقد اللاحق، بينما يتراجع الاستثمار بأكثر من 13%، ويهبط الاستهلاك بنحو 11% مقارنة بدول مماثلة لم تشهد حروبًا.
وتشهد هذه الاقتصادات مستويات تضخم أعلى نتيجة للتوسع النقدي وتمويل الإنفاق العسكري. يلعب التضخم دورًا محوريًا في تمويل الحروب، حيث ترتفع الكتلة النقدية ومؤشرات الأسعار بعد النزاعات، مما يخلق ضغطًا على القدرة الشرائية ويؤدي إلى تآكل القيمة الحقيقية للدين غير المرتبط بالتضخم.
يشير بنملخ إلى أن إسرائيل شهدت تجربة مشابهة بعد حرب عام 1973، حين ارتبطت موجة تضخمية حادة بارتفاع النفقات العسكرية في السنوات اللاحقة. ورغم وصف إسرائيل بأنها “أنوماليا تجريبية” في النماذج الاقتصادية بقدرتها على التعافي السريع نسبيًا، فإن السياق الحالي قد يختلف.
استمرار التعبئة الأمنية، واتساع الإنفاق الدفاعي، وتزايد الدين العام قد يضع الاقتصاد أمام مسار تآكل تدريجي بدل انتعاش سريع، في بيئة تتسم بضغط تضخمي ومخاطر مالية ممتدة.
ماذا بعد؟
مع اقتراب نهاية العام 2025، سيتجه التركيز نحو التقارير الاقتصادية المستقبلية التي ستكشف عن مدى تأثير الإنفاق العسكري المستمر على مؤشرات التضخم والعجز المالي. وستكون الأنظار موجهة نحو قرارات الحكومة الإسرائيلية المتعلقة بالموازنة والسياسات المالية، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين المتطلبات الأمنية والضغوط الاقتصادية، وسط استمرار حالة عدم اليقين الإقليمي.

