فيلم “الحدق يفهم” للمخرج أحمد فؤاد، الذي صدر عام 1986، يطرح قصة مجرم يستولي على ملابس شيخ ويتظاهر بأنه رجل دين لجمع تبرعات في عملية احتيال.

هذه المقاربة تذكرنا بمسلسل الدراما السوري الحديث “مولانا”، بطولة تيم الحسن. المسلسل هو أحد معالجات المسرحية الفرنسية “مطبخ الملائكة” لألبرت هوسون، والتي تدور حول عن ثلاثة سجناء يقومون بأعمال خير.

يركز المسلسل، مثل المعالجات السابقة للمسرحية، على فكرة أن الشر ليس متأصلاً في الإنسان، وأن الظروف قد تخلق منه شخصاً خيراً أو شريراً، وأن المظاهر قد تكون خادعة.

“مولانا” هو مثال على الدراما الشعبوية التي تظهر بعد سقوط الأنظمة السياسية الفاسدة، وغالبًا ما تتضمن انتقادًا للسلطة السابقة.

“مولانا”: مقاربة درامية لواقع ما بعد الانهيار

يدور مسلسل “مولانا” في قرية “العادلية” الخيالية، حيث يهرب جابر جاد الله، الذي تعرض للاضطهاد، ويتظاهر بأنه مالك القرية “سليم العادل”. تحمل أسماء الشخصيات دلالات واضحة، وهو عنصر شائع في الميلودراما الشعبوية.

تسيطر ثكنة عسكرية على تلال الزيتون في القرية، وترمز إلى الحكم الديكتاتوري. تتصاعد الأحداث بين “مولانا” المدعي ورئيس الثكنة الفاسد، في صراع رمزي بين ملابس العسكر وخضرة الزيتون.

مزيج من الأنواع الدرامية

يمزج المسلسل بين أنواع درامية مختلفة لزيادة جاذبيته الجماهيرية، مستغلاً مساحة الحرية الممنوحة عقب سقوط النظام. ينتقد المسلسل بشكل صريح تصرفات العقيد كنموذج تقليدي للسلطة العسكرية الفاسدة.

تظهر شخصية العقيد ككتلة من الشر والطمع، مما يجعله قناعًا للعهد البائد. ومع ذلك، فإن شيطنة الخصوم بهذه الطريقة تقلل من عمق الشخصية الدرامي، حسب رأي النقاد.

في المقابل، تتسم شخصيات مثل جابر وشهلا وزينة بالعمق الإنساني والتناقضات. جابر، الهارب من جريمة قتل، يدعي الولاية ويصاب بانفصام يتطور ليصبح رمزيًا.

شهلا، رغم خلفيتها، لا تتورع عن الكذب وتقع في علاقة غير شرعية، بينما تخوض زينة رحلة من التشوه العاطفي والاجتماعي. حتى جواد، الذي يحب زينة، يمر بتعقيدات إنسانية.

يضع النص خصومًا دراميين يقعون في فخ النمطية، بينما يبذل جهدًا في صياغة معادلات عاطفية وإنسانية في معسكر أهل القرية. حتى شخصية “جورية” العارفة تخطئ عن قصد لرفع اللعنة عن القرية.

الوهم والإيمان كسلاح

يتجاوز المسلسل فكرة أن الإنسان مجرم بالفطرة، ليطرح أسئلة حول معنى الحقيقة وقوة الوهم كسلاح ضد القوة العسكرية.

تتحول الكذبة التي نسجها جابر، وصدقها الآخرون، إلى حقيقة يؤمن بها أهل القرية، مما يوحد صفوفهم لمواجهة الظلم.

رغم الأخطاء والصدف الدرامية، يقدم المسلسل مثالًا عن تحول الوهم إلى إيمان، وهو إيمان بالذات والقدرة على التغيير.

الصراع بين جابر وسليم يطرح سؤالًا فلسفيًا حول ما إذا كانت الكذبة المؤدية إلى الإيمان يمكن أن تحقق ثورة والحرية المفقودة.

في حين يغادر جابر القرية، يقود جواد أهلها بناءً على كذبة “الخيوط البيضاء” لمواجهة الثكنة. ينجح الوهم في بناء إيمان جماعي.

على الرغم من الانتقادات البنائية والدرامية، يمثل مسلسل “مولانا” نموذجًا للأعمال التي تمزج بين السياسي والفلسفي والنقدي، خاصة في المراحل الانتقالية بين الأنظمة السياسية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version