طور باحثون بجامعة نورث ويسترن الأميركية نموذجًا متقدمًا لمحاكاة إصابات الحبل الشوكي البشري باستخدام عضيات مزروعة في المختبر، وهي خطوة وصفوها بأنها تقدم نوعي في البحث عن علاج فعال للشلل. وأظهرت الدراسة، المنشورة في دورية Nature Biomedical Engineering، أن العلاج التجريبي المعروف باسم “الجزيئات الراقصة” نجح في تحفيز نمو الامتدادات العصبية وتقليل التندب في عضيات الحبل الشوكي البشري المصابة مخبريًا.
علاج تجديدي واعد لإصابات الحبل الشوكي
تم تطوير هذا النموذج المبتكر باستخدام عضيات حبل شوكي بشري تم إنشاؤها من خلايا جذعية مستحثة متعددة القدرات، وهي نماذج مصغرة تحاكي الأعضاء الحقيقية في بنيتها وتعقيدها ووظيفتها. وقد مكّن هذا النموذج الباحثين من محاكاة أنواع مختلفة من إصابات الحبل الشوكي البشري بدقة، بما في ذلك موت الخلايا، والاستجابة الالتهابية، وتكوّن الندبة الدبقية، وهي عائق رئيسي أمام تجدد الأعصاب.
أظهرت النتائج المجهرية زيادة واضحة في نمو الامتدادات العصبية في العضيات المصابة التي عولجت بالعلاج التجريبي، مقارنة بالعينات غير المعالجة. كانت الامتدادات العصبية في العينات المعالجة بالجزيئات الأكثر حركة أطول وأكثر كثافة، مما يعكس فعالية أعلى في تحفيز النمو العصبي.
تراجع ملحوظ للندبة الدبقية
شهدت العضيات المصابة التي خضعت للعلاج تراجعًا ملحوظًا في الأنسجة الشبيهة بالندبة الدبقية، حتى أصبحت بالكاد قابلة للكشف. ويأتي هذا التقدم بأمل متجدد لتحسين نتائج المرضى المصابين بإصابات الحبل الشوكي، خاصة وأن العلاج حصل مؤخرًا على تصنيف “دواء يتيم” من إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA).
وأوضح الباحث الرئيسي في الدراسة، صامويل ستوب، أن هذه العضيات تتيح اختبار العلاجات في نسيج بشري حقيقي بطريقة لا يمكن تحقيقها إلا من خلال التجربة السريرية. وقد تطابق نمو الامتدادات العصبية وتلاشي الندبة الدبقية التي لوحظت في العضيات مع النتائج السابقة في النماذج الحيوانية، مما يعزز احتمال نجاح العلاج لدى البشر.
كيف تعمل “الجزيئات الراقصة”؟
تعتمد تقنية “الجزيئات الراقصة” على تجميع أعداد هائلة من الجزيئات في بنى نانوية قادرة على تنشيط مستقبلات الخلايا باستخدام الإشارات الطبيعية للجسم. عند حقنها كسائل، تتحول هذه الجزيئات داخل النسيج إلى شبكة معقدة من الألياف النانوية التي تحاكي المصفوفة خارج الخلوية للحبل الشوكي. يتيح ضبط الحركة الجماعية للجزيئات داخل هذه الألياف (رقصها) لها التواصل بفاعلية أكبر مع مستقبلات الخلايا، مما يزيد فرص التفاعل وتنشيط الإشارات الحيوية.
أظهرت دراسات حيوانية سابقة أن حقنة واحدة من هذا العلاج يمكن أن تمكن الفئران من استعادة القدرة على المشي خلال أسابيع قليلة. وأكدت المقارنات أن الصيغ ذات الحركة المعززة كانت أكثر فعالية، مما يشير إلى أن النشاط الحيوي يرتبط مباشرة بدرجة الحركة الجزيئية.
نماذج إصابات متقدمة
في الدراسة الحالية، حاكى الباحثون نوعين شائعين من إصابات الحبل الشوكي: قطع بالمشرط يحاكي الجروح الجراحية، وإصابة رضية ضاغطة تحاكي الحوادث الخطيرة. وقد أدت هاتان الطريقتان إلى موت الخلايا وتكون ندبة دبقية، تمامًا كما يحدث في الإصابات الحقيقية.
تم إضافة خلايا الميكروجليا، وهي الخلايا المناعية المقيمة في الجهاز العصبي المركزي، إلى العضيات لمحاكاة الاستجابة الالتهابية المصاحبة لإصابات الحبل الشوكي. وقد أضاف هذا العنصر واقعية ودقة أكبر للنموذج البحثي، مما يجعله أقرب إلى ما يحدث فعليًا داخل الجسم البشري بعد الإصابة.
ما هي الخطوات القادمة؟
يخطط الباحثون في المرحلة المقبلة لتطوير عضيات أكثر تقدمًا لمحاكاة الإصابات المزمنة التي تتميز بندبات أكثر صلابة وتعقيدًا. كما يسعون إلى إنشاء عضيات من خلايا جذعية مأخوذة من مرضى معينين، مما قد يفتح الباب أمام تطبيقات الطب الشخصي وتطوير أنسجة قابلة للزرع تقلل من خطر الرفض المناعي. تظل فعالية هذه التقنية على المدى الطويل وقابليتها للتطبيق السريري الواسع قيد البحث.

