في شهر رمضان المبارك، تتجلى عظمة المغرب في صلوات التراويح والتهجد، حيث تتحول المساجد إلى لوحات حية للتنظيم الروحي والاجتماعي. يتجسد ذلك في كثافة الحضور، وجمالية الصوت، والالتزام العميق بالتقاليد القرآنية الأصيلة. وكما يؤكد الدكتور علوم القرآن الحبيب وصيف، يزخر المغرب بنخبة من الأئمة المتقنين الذين يتلون كتاب الله بتجويد رفيع، ليطربوا به القلوب في أجواء إيمانية تغمرها الخشوع والسكينة.
يشتهر القراء المغاربة بإتقانهم وتفوقهم في المحافل الدولية، وغالباً ما نجد للمغرب بصمة في المراتب الأولى في مسابقات حفظ القرآن وأدائه. يتميز القراء المغاربة بالجمع بين الأصالة المحلية والطابع الشرقي الجميل، مقلدين الكبار ببراعة ومتميزين بمدارس قرائية خاصة، مما يجعل الاستماع لتلاواتهم مريحاً ومشوقاً.
أصوات مغربية متميزة في تلاوة القرآن الكريم بشهر رمضان
يقدم هذا التقرير لمحة عن خمسة من أبرز الأصوات القرآنية في المغرب، التي تجمع بين الأصالة المغربية والإتقان الشرقي، وتشكل محطات روحانية يتوق إليها المصلون خلال رمضان. تتسم تلاواتهم بقدرتها على تقوية الإيمان وإحياء التقاليد القرائية التي تتوارثها الأجيال في مساجد المغرب بفخر وخشوع.
الشيخ عمر القزابري – مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء
ولد الشيخ عمر القزابري عام 1974 بمدينة مراكش، وتلقى تعليمه القرآني على يد والده الشيخ أحمد القزابري، أحد علماء المدينة. ختم القرآن الكريم في سن الحادية عشرة. بعد حصوله على الثانوية العامة، سافر إلى السعودية ثم مصر لمواصلة دراساته العليا في علوم القرآن والقراءات العشر على يد كبار المشايخ.
خلال شهر رمضان، يتحول مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء إلى وجهة للآلاف من المصلين لسماع صوته الشجي. تمتد صفوف المصلين داخل المسجد وخارجه، مع استخدام مكبرات الصوت لتصل تلاوته إلى الأحياء المجاورة. يُعرف عن صوت الشيخ القزابري وضوحه وجمال نبراته، ويمزج ببراعة بين المقامات الحجازية والتجويد المغربي الدقيق، مما يضفي على الصلاة خشوعاً وسكينة.
الشيخ العيون الكوشي – مسجد الأندلس بالدار البيضاء
الشيخ العيون الكوشي، إمام وخطيب بمسجد الأندلس بحي أناسي في الدار البيضاء، ولد عام 1967 بمدينة آسفي. حفظ القرآن وهو في التاسعة من عمره، وتميز بصوت شجي وخاشع يجمع بين الأصالة المغربية والطابع المشرقي.
بعد تفرغه لدراسة التجويد، شارك الكوشي في مسابقات محلية ودولية وحصل على مراتب متقدمة. كما عرف بمشاركته في الفعاليات الإعلامية وتسجيل المصحف كاملاً برواية ورش في مصر. تتميز تلاوته بالحنين والبحّة الطبيعية، مما يجعل المصلين يستمعون باهتمام وخشوع.
وديع شاكر – مسجد فاطمة الزهراء بمراكش
ولد وديع شاكر عام 1981 في مراكش، وأظهر ميلاًه لتجويد القرآن منذ صغره. رغم حصوله على شهادة في القانون، اختار أن تكون حياته في المحراب، جامعاً بين مهنة التوثيق وحب القرآن.
يتميز صوته بالقدرة على التعبير عن معاني الآيات بوضوح وتأثير. خلال رمضان، تتحول منطقة مسجد فاطمة الزهراء إلى مشهد روحاني مهيب، يتوافد إليه آلاف المصلين للاستماع لتلاوته برواية ورش، مع تنظيم أمني لضمان سلاسة الحركة.
عبد الله الدغري – مسجد دوار الجامع بمراكش
عبد الله الدغري، إمام وخطيب ومقرئ متميز، اشتهر عالمياً بعد تأهله لنهائيات مسابقة “عطر الكلام” الدولية للقرآن والأذان 2023. بدأ حفظ القرآن في سن الرابعة وأتمه في الرابعة عشرة، واكتسب خبرة واسعة في الإمامة والتجويد.
يشهد مسجد دوار الجامع توافداً هائلاً خلال رمضان، حيث يجمع بين التنظيم المميز وخشوع المصلين أمام صوت الدغري المؤثر. يواصل الإمام قيادة صلوات التراويح حتى ختم القرآن كاملاً، مما يعكس قوة التواصل الروحي بينه وبين المصلين.
عبد الجميل غلاب – مصلى أبواب مراكش
الشيخ عبد الجميل غلاب، مواليد 1975 بمراكش، أتم حفظ القرآن في سن الثالثة والعشرين، وواصل دراسته في الشام ومصر. يعتبر بيته “زاوية قرآنية” تخرج منها أجيال من القراء المتقنين.
خلال اليوم الأول من رمضان، اجتمع بمحبيه في مصلى أبواب مراكش، حيث يستمتع المصلون بصوته الذي يلتزم بقواعد التجويد دون تكلف مقامي، مما يجعل الصلاة خلفه تجربة سماوية.

