الرباط – مع حلول شهر رمضان المبارك، يعيش المغاربة تحولاً اجتماعياً وروحياً فريداً، حيث تتغير أنماط الحياة اليومية وتتبدل وتيرة الحركة والنشاط. يتحول هذا الشهر الفضيل إلى زمن إعادة ترتيب الأولويات وتقوية الروابط الاجتماعية، مع إيقاع صيام يفرض إملاءات خاصة.
تخفت الحركة الاستهلاكية نهاراً لتشهد ذروتها قبيل موعد الإفطار، حيث تتحول الأسواق والأزقة إلى خلايا نحل تعج بالنشاط. تنتشر روائح تراثية مميزة، أبرزها رائحة الحساء المغربي الأصيل، الحريرة، التي تتصدر مائدة الإفطار. إلى جانب الحريرة، تحضر التمور وحلوى “الشباكية” وطبق “سلو”، كاستمرارية لعادات متوارثة، مع لمسات معاصرة تقدمها الأجيال الجديدة.
رمضان في المغرب: عبق التقاليد وحيوية الليالي
تتجاوز مائدة الإفطار كونها تجمعاً أسرياً، لتصبح مساحة للتضامن الاجتماعي. تتجلى هذه الروح في تنظيم موائد إفطار جماعية في الأحياء الشعبية، وتوزيع السلال الغذائية على الأسر المحتاجة. كما تُقدم موائد إفطار مجانية للعابرين والمعوزين، وتعرض صناديق إفطار للمسافرين، ما يعكس حضور البعد التكافلي والثقافي المغربي.
بعد أذان المغرب، تستعيد المدن المغربية حيوية خاصة. تمتلئ المساجد الكبرى والصغرى بالمصلين لأداء صلاة التراويح، غالباً في أزيائهم التقليدية. يخلق هذا المشهد، خاصة في معالم دينية بارزة كمسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء ومسجد حسان في الرباط، لوحات تعكس وحدة الصفوف وخشوعاً جماعياً نادراً.
تتنافس المساجد في استقطاب أفضل القرّاء ذوي الأصوات الشجية لأداء صلاة التراويح، مما يدفع المصلين للتنقل بين المساجد للاستمتاع بتلاوات مختلفة، بل والسفر إلى مدن مجاورة لمتابعة قراء مفضلين.
تتحول المساجد أيضاً إلى مراكز تنافسية في المسابقات القرآنية، تجمع الصغار والكبار، الرجال والنساء، إظهاراً للتمسك بحفظ القرآن الكريم وتجويده. وتنظم العديد من المساجد أمسيات للتبرع بالدم بعد التراويح، سعياً لنيل الأجر والثواب.
يحافظ المغرب على خصوصية في القراءة القرآنية عبر تقليد “الحزب الراتب”، وهو نظام تلاوة جماعية يومية برواية ورش عن نافع يعود إلى القرن السادس الهجري، مما يسهم في صون هوية دينية مغربية خاصة ويعزز الانتماء المرجعية الروحية المشتركة.
في بعض المدن العتيقة، لا يزال دور “النّفّار” مستمراً، حيث يجوب الأزقة قبيل الفجر لضرب الطبل وإيقاظ السكان للسحور. ورغم تراجع الحاجة إليه مع انتشار المنبهات الحديثة، يحاول بعض الشباب إحياء هذه الشخصية كرمز لاستمرارية التراث الحضري.
يميل السحور المغربي للبساطة، يرتكز على الشاي وزيت الزيتون والخبز والجبن، مع إضافة “سلو” أو “ياغورت” وفاكهة، موفراً لحظة تأمل هادئة قبل بداية يوم صيام جديد.
رمضان يجمع الأجيال: تقاليد متغيرة وآفاق متجددة
عاشت الحاجة فاطمة بوعنان، من بادية دكالة وأحياء الدار البيضاء الشعبية، تحولات رمضان على مدى العقود الماضية. تتذكر مائدة إفطار بسيطة في الماضي اقتصرت على الحريرة، ومعجنات كـ”المسمن” و”البغرير”، وقهوة بالحليب. كانت العائلات في القرية تجتمع أسبوعياً، يتبادل الأفراد الأطباق ويقضون الوقت في الأحاديث حتى السحور.
في المدينة، ارتبط رمضان بالطقوس الجماعية بين الجيران. كانت النساء يجتمعن لإعداد مكونات “سلو” أو حلوى “الشباكية” بشكل جماعي، ما يعكس روح التعاون والتكافل.
تصف رمضان الماضي بأنه لم يكن شهراً للتبذير، إذ كان يتم إعداد ما يمكن استهلاكه وتبادل الأطباق مع الجيران. اليوم، تشير إلى أن تبادل الأطباق لم يعد بنفس الزخم، لكن روح رمضان لا تزال باقية في جوهرها.
من جانبها، ترى المعلمة الشابة هاجر الدخيلة أن رمضان يختلف عن باقي الشهور بعظمته وأجوائه المميزة. فهو ينقلها من العبادات العادية إلى عبادة مجتهدة تشمل النوافل والصدقات والتكافل، مشيرة إلى أن التقاليد والعادات المغربية تضفي على الشهر نكهة خاصة.
إلى جانب الطقوس الدينية والغذائية، يتميز رمضان في المغرب بملامح ترفيهية. تستعيد الحياة الليلية حيويتها بروح مختلفة، تتوزع بين السهرات العائلية وجلسات الأصدقاء والمقاهي والألعاب الشعبية. تظل دوريات كرة القدم الرمضانية سمة أصيلة في الأحياء الشعبية.
تنظم الجمعيات والمؤسسات حفلات للسماع والمديح لإحياء التراث الفني الأصيل ونقله للأجيال الشابة.
يشكل رمضان في المغرب لوحة اجتماعية متكاملة وموسماً روحياً واجتماعياً مكثفاً، تعيد فيه الجماعة اكتشاف ذاتها وتقوي العلاقات بين أفرادها، وتستحضر هويتها وذاكرتها المشتركة، مختبرة قدرتها على التماسك والتضامن والتسامح. وتبقى الروح الجماعية والتكافل الاجتماعي من أبرز الثيمات المتجددة في هذا الشهر.

