شهدت وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرًا انتشارًا لمصطلح “لوكسماكسينغ” (Looksmaxxing)، الذي أصبح رمزا لثقافة ذكورية تدور حول الهوس بـ”تحسين المظهر”، مسلطة الضوء على تغيرات عميقة في مفهوم الرجولة الحديثة. تتزايد شعبية هذه الثقافة بين الشباب والمراهقين، الذين يسعون إلى تجسيد ما يرونه “النموذج الأمثل للرجولة”، مما يدفع بعضهم إلى ممارسات وأساليب قد تكون خطيرة.
في المقابل، تشير التوقعات إلى أن المبيعات العالمية لمنتجات التجميل والعناية بالبشرة للرجال قد تتجاوز 5 مليارات دولار عام 2027، مما يغذي مخاوف الخبراء من شيوع ثقافة “الوجه والجسم المثاليين” وما يرافقها من اضطرابات نفسية وجسدية.
من الوظيفة إلى الجسم.. كيف تغير نموذج الرجولة؟
يُرجع الصحفي جوزيف بيرنشتاين سبب هذا التحول إلى تآكل نماذج الرجولة التقليدية التي ارتبطت بالاستقرار الوظيفي والقدرة على إعالة الأسرة خلال القرن العشرين. مع تزايد عدم الاستقرار المهني وصعود الذكاء الاصطناعي وانتشار الوظائف المؤقتة، أصبح تحقيق الاستقرار الاقتصادي أصعب، مما دفع البعض إلى اعتبار “الجسد” كوسيلة لتعويض تراجع المكانة التقليدية، عبر التركيز على الجسم المثالي والرجل المهيمن مفتول العضلات.
الجسد كمشروع تحسين مستمر
ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في ترسيخ فكرة أن الوجه والجسد مشاريع قابلة للقياس والتحسين المستمر. تنتشر مقاطع فيديو تفصل كيفية تحليل معايير الوجه وتحديد “العيوب” المتصورة، مع تقديم وصفات لزيادة الكتلة العضلية أو إنقاص الوزن. وبينما تقدم بعض النصائح العناية بالبشرة، تروج أخرى لممارسات غريبة وخطيرة، مثل النقر على عظام الوجه، وهو ما يحذر الخبراء بشدة من تبنيه.
داخل عالم “تحسين المظهر”.. شباب يحصون عيوبهم
يُقدم نموذج شاب يدعى لي مارفن (26 عامًا) الذي يقيم نفسه بـ7 من 10، مثالًا على هذا الهوس. يستخدم مارفن تطبيقات لتحليل الوجه ويبدأ يومه بروتين عناية مكثف يتضمن تمارين رياضية، حمامات باردة وساخنة، وتمارين للفك. يشارك هذه الطقوس على تيك توك، حيث يتابعه الآلاف، معتبرًا أن “تحسين المظهر” يساعده في بلوغ “ذروة الرجولة”.
تبرز شخصيات مثل المؤثر المعروف بكلافيكولار، الذي يصف نفسه بـ”الوسيم الخارق 10/10″، حيث ينسب مظهره إلى تناول هرمون التستوستيرون منذ سن مبكرة، وإلى محاولة إعادة تشكيل فكه باستخدام مطرقة، وهي سلوكيات يرفضها الأطباء جملة وتفصيلًا. يُعتقد أن محتوى هؤلاء المؤثرين ساهم في انتشار ثقافة “تحسين المظهر” على نطاق واسع بين الشباب.
حين يتحول “تحسين المظهر” إلى فخ نفسي
يرى خبراء علم النفس أن ثقافة “لوكسماكسينغ” قد تكون ضارة، حيث تدفع الشباب إلى السعي وراء شعور زائف بالجاذبية والقبول، مما يؤدي إلى استثمار طاقتهم في الجسد بدافع مشاعر النقص والدونية. كما تحذر اختصاصية اضطرابات الأكل، كريستين روبيرتي-برونينغ، من أن الانتشار المتزايد لمشاكل الصحة النفسية يزيد من قابلية الشباب للانخراط في هذه السلوكيات، مما قد يؤدي إلى اضطراب صورة الجسد وسلوكيات مؤذية ذاتيًا.
أين ينتهي الاهتمام بالمظهر ويبدأ الهوس؟
يتجاوز “التطوير الذاتي” الصحي حدود المظهر الخارجي، ويركز على جودة الحياة والعلاقات الداخلية. يصبح الاهتمام بالمظهر ضارًا عندما يتحول إلى قلق دائم، وعندما تستحوذ طقوس العناية بالمظهر على وقت وجهد كبيرين يعيقان الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية. قد تدفع الرسائل المجتمعية التي تربط الرجولة بالصورة المثالية بعض الرجال إلى الخجل من أجسادهم وتدني احترام الذات.
وينصح الخبراء بتجنب مقارنة الذات بمعايير الجمال المثالية المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتركيز على بناء علاقات داعمة وقضاء وقت مع الأصدقاء والعائلة، ومتابعة المحتوى الذي يشجع على تقبل الجسد والرجولة الصحية.
يكمن التحدي المستقبلي في إيجاد توازن صحي بين الاهتمام بالمظهر الخارجي والصحة النفسية، وتعزيز مفهوم إيجابي للرجولة لا يعتمد فقط على الشكل الخارجي. يبقى السؤال ما إذا كانت هذه الثقافة ستستمر في النمو، وما هي آثارها طويلة الأمد على الصحة النفسية للشباب.


