Published On 1/5/2026
|
آخر تحديث: 12:23 (توقيت مكة)
بيروت- في الأربعاء الأخير من شهر أبريل/نيسان، يعود طقس “أربعة أيوب” ليُضفي على شاطئ “الرملة البيضاء” في العاصمة اللبنانية بيروت، مشهداً جماعياً يمزج بين الحكاية الشعبية والدعاء والأمل. يتحول الشاطئ في هذا اليوم إلى مساحة رمزية يستعيد فيها البيروتيون ذاكرتهم الجماعية، متجاوزين واقعهم الصعب بحثاً عن لحظة فرح وبساطة.
منذ ساعات الصباح الأولى، يجتمع البيروتيون على الرملة البيضاء، مفترشين الأرض بمأكولاتهم وعاداتهم القديمة، ليعيشوا واجهة بحرية تعج بالضحكات وأصوات الأطفال. تعتبر سميرة عزو، دليل سياحي في بيروت، أن “أربعة أيوب” هو أكثر من مجرد تقليد موسمي؛ إنه ذاكرة مدينة تتجدد على الرمل، يحمل معنى يتجاوز الاحتفال ليصبح مساحة للقاء بين الذاكرة الشعبية والحاجة الإنسانية الدائمة للفرح.
مع اقتراب المساء، يتجه المشاركون نحو ذروة الطقس، بالنزول إلى البحر سبع مرات عند الغروب، تيمناً بقصة النبي أيوب ورمزيته في الصبر والشفاء. ترى عزو أن هذه اللحظة تمثل انتقالاً رمزياً من ثقل الأيام إلى خفتها، ومن تعب الشتاء إلى وعد ربيع جديد، معتبرة أن البحر يتحول إلى مساحة للتطهير الجماعي من القلق والذكريات.
“المفتقة”.. طبخة تناقلتها الأجيال
يكتمل طقس “أربعة أيوب” بحضور “المفتقة”، الطبق التقليدي الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من هوية هذا اليوم. تحضر هوايد عيتاني، وهي إحدى المشاركات، هذا المزيج الذي يتكون من الأرز والسكر والكركم والطحينة، وتصف عملية تحضيره الطويلة باللحظة التي “يفسّ فيها السرج”، في إشارة إلى اكتمال النكهة والقوام.
تؤكد هوايد أن أهمية “المفتقة” لا تكمن في مكوناتها فحسب، بل في فعل المشاركة وتوزيعها على الحاضرين، مما يعزز فكرة الجماعة التي يجسدها هذا اليوم. تربط هذه العادة بروايات شعبية قديمة تذكر نساء بيروتيات ابتكرن الطبق كرمز للنقاء والشفاء، ليصبح جزءاً من ذاكرة المدينة الغذائية والوجدانية.
ذاكرة مثقلة
يأتي “أربعة أيوب” هذا العام في ظل ذاكرة مثقلة بالقلق والحروب، مما يضفي على لحظات الفرح بعداً أكثر عمقاً. يرى البعض، مثل أبو يوسف، أن الشاطئ أصبح متنفسًا مؤقتًا للمواطنين، وأن البحر يتحول إلى مساحة تنفس جماعي في مواجهة ضغوط الحياة اليومية.
يعتبر أبو يوسف أن النزول إلى البحر في هذا الطقس لم يعد مجرد عادة شعبية، بل محاولة رمزية للتخفف من الخوف والخسارة، مستشهداً بصبر النبي أيوب. ويقرّ بقلق من المستقبل، لكنه يؤكد على ضرورة لحظات الفرح هذه، إذ أن غيابها يعني خسارة جزء من القدرة على الاستمرار.
في ختام اليوم، وبينما تغادر العائلات الرملة البيضاء، يبقى طقس “أربعة أيوب” شاهداً على إصرار بيروت على استعادة لحظات الفرح، مهما كانت قصيرة. إنه ليس مجرد تقليد سنوي، بل مساحة رمزية تؤكد قدرة المدينة على اللقاء مع نفسها رغم الأزمات، حيث يتحول البحر إلى وعد بأن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت ممكنة.
ماذا بعد؟ مع اقتراب نهاية الربيع، ستستمر التحليلات حول مدى استمرارية هذه الطقوس الشعبية في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه لبنان. يبقى التساؤل حول قدرة هذه اللحظات الرمزية على تعزيز صمود المجتمع في مواجهة الأزمات المتكررة.



