النرجسية الحوارية: عندما يتحول الحديث إلى احتكار للاهتمام

ابتكر عالم الاجتماع الأمريكي تشارلز ديربر مصطلح “النرجسية الحوارية” في أواخر السبعينيات لوصف نمط حديث أصبح شائعًا في ظل ثقافة الفردانية والسعي المتزايد لفت الانتباه. لا يُعد هذا المصطلح تشخيصًا طبيًا، ولكنه يصف سلوكًا حواريًا يتم فيه احتكار الحديث من قبل شخص واحد، مما يجعل تبادل الكلمة أشبه بمواجهة صعبة.

في هذا النمط الحواري، يسود شعور بأن أحد الأطراف يستحوذ على دفة الحديث بالكامل، مانعًا الآخر من المشاركة بفعالية. تشبه المعالجة النفسية سو فارما المحادثة الصحية بلعبة تبادل الكرة، حيث يتم تمريرها بين الطرفين. أما في النرجسية الحوارية، فيحتفظ شخص واحد بالكرة لنفسه، مما يحول دون إتمام التبادل الطبيعي.

من هم أصحاب النرجسية الحوارية؟

تصف المعالجة النفسية ويندي بيهاري هؤلاء الأفراد بأنهم ينجحون دائمًا في توجيه أي محادثة لتتمحور حولهم، أو بإجابة مختصرة، “ماذا عني أنا؟”. هذا السلوك يلخصه اقتباس ساخر من فيلم “بيتشز”، حيث تقول إحدى الشخصيات لصاحبتها: “كفى حديثًا عني، دعنا نتحدث عنك، ما رأيك بي؟”.

وتُعرف مؤلفة ومستشارة الاتصالات إميليا ريغستاد الشخص ذي النرجسية الحوارية بأنه “شخص يتحدث عن نفسه باستمرار، ويوجه المحادثات لتكون عنه هو وحده”. هذا التركيز المستمر على الذات هو السمة المميزة لهذا النمط من التفاعل.

لماذا يتبنى البعض هذا السلوك؟

تشير الدكتورة سو فارما إلى أن العديد من الأشخاص الذين يمارسون النرجسية الحوارية يعانون من “عادة سيئة” أكثر من نيّة متعمدة لإيذاء الآخرين. غالبًا ما ينبع هذا السلوك من شعور عميق بانعدام الأمان، يدفع صاحبه إلى السعي المستمر لإثبات قيمته وجاذبيته. قد يلجأ البعض أيضًا إلى الإكثار من الكلام لملء الفراغات في المحادثة، مما يعكس ضعفًا في المهارات الاجتماعية أكثر من كونه قسوة في المشاعر.

تضيف فارما أن هؤلاء الأشخاص يفتقرون إلى ضبط النفس ويميلون إلى المقاطعة، لأنهم ليسوا مستمعين جيدين. هذه السمة قد تتشابه مع سلوكيات بعض الذين يعانون من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.

ليست بالضرورة اضطرابًا مرضيًا

توضح المعالجة النفسية لورين ماهر أن بعض الأفراد الذين يسيطرون على الحديث قد يكونون نشأوا في بيئات تعلي من شأن حب الظهور، مما جعلهم يعتقدون أن احتكار الكلام وسيلة طبيعية للتواصل. كما أن بعضهم قد لا يدرك حتى طبيعة سلوكه، معتبرًا إياه وسيلة للشعور بالانتماء أو لتهدئة أعصابه.

ومع ذلك، تشير المعالجة النفسية تشيلسي بروك كول إلى أن هذا السلوك قد يرتبط بما يُعرف بـ”النرجسية الهشة”، وهي حالة لا ترقى إلى اضطراب الشخصية النرجسية الكامل، لكنها تشير إلى وجود ميول نرجسية. غالبًا ما يفتقر هؤلاء الأشخاص إلى التعاطف، وينشغلون باحتياجاتهم الخاصة، ويجدون صعوبة في التواصل الصادق.

علامات تدل على النرجسية الحوارية

يشير الخبراء إلى عدة علامات متكررة يمكن أن تدل على وجود نرجسية حوارية، إما لديك أو لدى أحدهم:

  • استجابة التحويل: القدرة المستمرة على تحويل أي موضوع حديث نحو الذات، ربط قصص الآخرين بقصصهم الخاصة، والحديث عن حياتهم وآرائهم دون طلب.
  • “نظرة انتظار الكلام”: عدم الاهتمام بما يقوله الطرف الآخر بقدر الاهتمام بانتظار دوره في الكلام، وفقدان التركيز بسرعة إذا خرج الحديث عن الموضوع المرغوب.
  • الحرص على التفوق المستمر: محاولة الظهور دائمًا على أنهم الأنجح، الأذكى، أو الأكثر خبرة، حتى في الأحاديث اليومية البسيطة.
  • إنهاك الطرف الآخر: شعور الناس بعد الحديث معهم بالإرهاق، النفور، أو التقليل من شأنهم، نتيجة للمقاطعة المستمرة واحتكار الحديث.
  • هوس جذب الانتباه ونيل الاستحسان: عدم تقبل النقد أو المعارضة بسهولة، والسعي الدائم للإعجاب والموافقة، غالبًا بسبب شعور عميق بعدم الأمان.

ما الخطوة التالية؟

قد يمارس بعضنا “النرجسية في الحديث” دون وعي، مدفوعين بالقلق أو الرغبة في لفت الانتباه. التوقف للتأمل في أساليبنا الحوارية، والمساحة التي نمنحها للآخرين، يمكن أن يكون خطوة نحو حوارات أكثر توازنًا. فالمحادثة الصحية هي مساحة مشتركة، وليست منافسة لإثبات الذات، حيث نشعر بأننا مسموعون ومقدرون. يبقى السؤال حول كيفية بناء هذه المساحات الحوارية بشكل مستمر، خاصة عند التعامل مع أنماط حديث قد تكون مدمرة للتواصل.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version