مع الإعلان عن الهجوم الذي استهدف قاعة حفلات في مدينة قرب موسكو، تعالت أصوات رسمية وغير رسمية تتهم أوكرانيا بالوقوف وراء الهجوم، رغم تحذير الولايات المتحدة -قبل الهجوم- من أن موسكو قد تتعرض لهجوم إرهابي.
وشهدت روسيا، الأحد، يوم حداد وطني بعد المجزرة التي أوقعت 137 قتيلا في قاعة للحفلات الموسيقية في ضاحية موسكو، في هجوم هو الأكثر دموية في البلاد منذ نحو عقدين، والأكثر فتكا بالأرواح في أوروبا، وتبناه تنظيم “داعش”.
ورغم إعلان “داعش” تبنيها للهجوم، لا تزال عدة وسائل إعلام روسية تلمح لضلوع كييف في الهجوم، بينما نقلت وكالة “تاس” السبت عن مصدر في “الخدمات الخاصة” (جهاز المخابرات) قوله إن الأجهزة الخاصة الروسية تلقت بالفعل معلومات من الولايات المتحدة بشأن مؤامرة إرهابية، لكنه استدرك بالقول إن “تلك المعلومات كانت ذات طبيعة عامة دون أي تفاصيل محددة”، تلميحا بأنها لم تفد جهاز المخابرات الروسي لتجنب الهجوم.
يذكر أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، تعهد السبت بـ”معاقبة” المسؤولين عن الهجوم، مؤكدا أن المهاجمين أوقفوا وهم في طريقهم إلى أوكرانيا، متحاشيا الإشارة إلى إعلان تنظيم داعش مسؤوليته عن الاعتداء.
وقال بوتين في خطاب بثه التلفزيون إنه جرى اعتقال 11 شخصا منهم أربعة مسلحين، مضيفا “حاولوا الاختباء والتوجه صوب أوكرانيا حيث، وفقا لبيانات أولية، كانت ثمة نافذة مجهزة لهم على الجانب الأوكراني لعبور حدود الدولة” في اتهام ضمني بضلوع كييف بطريقة أو بأخرى.
“داعش” يتبنى هجوم موسكو.. وروسيا تتهم أوكرانيا “زورا”
رغم إعلان تنظيم داعش-خراسان مسؤوليته عن الهجوم الإرهابي في موسكو، الجمعة، وتحذيرات أميركية لمخططات التنظيم في وقت سابق بداية مارس، تصر روسيا على توجيه أصابع الاتهام نحو أوكرانيا التي تخوض معها حربا منذ أكثر من عامين.
من جانبه، قال نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف عبر قناته على تطبيق تيليغرام، إنه “يجب العثور على إرهابيي نظام كييف والقضاء عليهم، بما في ذلك المسؤولين، إذا تبين أنهم كانوا وراء الهجوم الإرهابي في قاعة مدينة كروكوس في موسكو”.
وتابع “إذا ثبت أن إرهابيي نظام كييف هم المسؤولون، فسيكون من المستحيل التعامل معهم ومع أيديولوجيتهم بطريقة أخرى، ويجب تعقبهم جميعًا والقضاء عليهم بلا رحمة كإرهابيين، بما في ذلك مسؤولي الدولة الذين ارتكبوا مثل هذه الفظائع”.
يذكر أن جهاز الأمن الاتحادي الروسي قال إن المسلحين الذين ارتكبوا المجزرة في حق المدنيين اعتقلوا في أثناء توجههم إلى الحدود الأوكرانية وأنهم “على صلة بأشخاص في أوكرانيا”، مشيرا إلى نقلهم إلى موسكو.
ورفض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بغضب تلميحات بوتين بأن كييف مرتبطة بالهجوم.
وفي حديث مصور، نشره على موقع أكس، استنكر زيلينسكي محاولة بوتين ومساعديه إلقاء اللوم على أوكرانيا، بينما كان الزعيم الروسي “البائس” وفق تعبير زيلينسكي يعامل شعبه باعتبارهم “مستهلكين” في إشارة إلى التلقين للسردية التي تتهم كييف.
What happened in Moscow yesterday is obvious, and Putin and other scums are trying to shift the blame to someone else. Their methods are always the same. We have seen it all before. There were blown-up houses, mass shootings, and explosions. And they always blame others.
They… pic.twitter.com/N6WhZujMh9
— Volodymyr Zelenskyy / Володимир Зеленський (@ZelenskyyUa) March 23, 2024
هل من دليل؟
تحت عنوان “العلامات الرئيسية على أن أوكرانيا تقف وراء الهجوم الإرهابي”، حاولت صحيفة “ستوليتسا” الروسية دون جدوى، ربط ما حدث في قاعة الحفلات بسعي كييف الإضرار بمصالح روسيا.
وجاء في المقال الذي نشرته الصحيفة، السبت، لتثبيت التهمة على كييف “لا يعني بالضرورة أن القتلة تلقوا المهمة شخصيا من رئيس الاستخبارات الأوكرانية كيريل بودانوف.. ربما ظن الإرهابيون أنهم كانوا ينفذون مهمة من زعيم إحدى الجماعات الإسلامية، بعد أن تلقوها على برقية. وفي الوقت نفسه، ربما تم وعدهم بمبلغ مالي كبير”.
وتابع معلقا على زعم هروب منفذي الهجوم نحو الحدود الأوكرانية قوله إن “أراضي أوكرانيا مليئة بمثل هؤلاء (الإرهابيين)، حيث ظهر في الآونة الأخيرة، “الإشكيريون” بقيادة رسلان أزهييف، المعروف أيضا باسم عبد الحكيم الشيشاني، في منطقة بيلغورود الحدودية، وهو الذي قاد في سوريا، إحدى الجماعات الإرهابية في إدلب”.
والإشكيريون، هم جنود من جمهورية “إشكيريا الشيشانية” غير المعترف بها عالميا.
المقاتلون الشيشان.. أقدام على جانبي الغزو الروسي لأوكرانيا
يقاتل المحاربون الشيشان بكثافة على الجهة الروسية من الجبهة في أوكرانيا، لكن آخرين منهم، ربما أقل حظا بالتغطية الإعلامية، انضموا إلى الأوكران لمقاتلة عدوهم القديم، المشترك.
الصحيفة ختمت مقالها الذي لم يقدم أي دليل: “بالطبع، المشاركة في هجوم إرهابي بشكل أعمى لا تعفي المسؤولية سواء من الإرهابيين أنفسهم أو من أرسلهم إلى كروكوس، كل ما في الأمر أن كييف، في كراهيتها لكل شيء روسي، انحدرت إلى مستوى جهنمي جديد”.
دعاية
تعليقا على ذلك، قال المحلل الأميركي، بابلو فان شيراك، إن موسكو في حربها ضد كييف سبق وأن استخدمت الدعاية المغرضة في كثير من المناسبات مشيرا إلى أنه لن يستغرب أن تتهم كييف في الهجوم الذي استهدف مدنيين لاستعطاف الرأي العام العالمي.
فان شيراك أوضح في حديث لموقع “الحرة” أنه “لا يجب أن ننسى أن روسيا تسير بنظام شمولي لا يعترف بالرأي المخالف، لذلك، لا يمكن إيجاد وسيلة إعلامية تتحدث بخلاف ما ينطق به بوتين أو الكرملين”.
وقال ردا على الصحيفة التي زعمت أن الهروب المفترض نحو حدود أوكرانيا دليل على ضلوعها في الهجوم، بالقول إن “وسائل الإعلام التي تسير في فلك السلطة هناك، لا يهمها تقديم الدليل للقارئ، بقدر تقديم دليل الولاء للنظام المركزي”.
يُذكر أن لجنة التحقيق في الهجوم نشرت، الأحد، مقطع فيديو يظهر عناصر ملثمين يرتدون زيا عسكريا وهم ينقلون المشتبه بهم الأربعة إلى مقرّ اللجنة، بعدما قبض عليهم في اليوم السابق. وتمّ عصب أعيُنهم وإجبارهم على المشي وهم منحنون وأيديهم مقيّدة خلف ظهورهم.
ولم تشر لجنة التحقيق إلى التبني الذي أصدره تنظيم الدولة الإسلامية في اليوم السابق، كما أنّها لم تذكر أوكرانيا، الأحد، بعدما كان بوتين وأجهزته الخاصة قد أشاروا إلى “صلتها” بالهجوم.
بينما يتهم الكرملين أوكرانيا.. “داعش” ينشر فيديو لـ”هجوم موسكو” الدامي
نشرت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي عادةً ما يستخدمها تنظيم داعش شريط فيديو صوره على ما يبدو مُنفّذو الهجوم داخل قاعة للحفلات الموسيقية قرب العاصمة الروسية موسكو، وفق ما أفاد موقع “سايت” المتخصص في رصد مواقع التنظيمات المتطرفة، على الرغم من اتهام الكرملين لأوكرانيا بالتورط وراء العملية.
وذكرت وكالات الأنباء الروسية أن أول مشتبه بهما مثلا، الأحد، أمام محكمة في العاصمة الروسية، علما أنهما متهمان بـ”الإرهاب” ويواجهان عقوبة السجن مدى الحياة.
يقول فان شيراك في الصدد “لا أستبعد أن يجبروهم على القول إنهم تلقوا أوامر من المسؤوليين الأوكرانيين”، وتابع “كما قلت لك هذا البلد عودنا على مثل هاته الأمور، لن اسغرب أي شيء من موسكو”.
وحاول موقع “الحرة” التواصل مع الحكومة الروسية لتلقي إيضاحات حول اتهام موسكو لكييف ولم يتلق أي رد حتى كتابة هذا التقرير.
أهداف موسكو
فان شيراك عاد ليؤكد أن ثمة أهدافا لموسكو من خلال التعتيم وعدم التراجع عن الموقف تجاه كييف رغم أن تنظيم داعش تبنى الهجوم، أبرزها محاولة جعل الهجوم ذريعة لتصعيد حربها على أوكرانيا، ثم استمالة الرأي العام المحلي الذي لا يزال ضد ما تصفه السلطات الرسمية في روسيابـ”العملية العسكرية في أوكرانيا”.
يشار إلى أن المعارضة الروسية انتقدت بوتين في أعقاب الهجوم، وذكرته بالوعود الأمنية التي قطعها خلال حملته الرئاسية قائلة، وفق ما نقلت صحيفة “ذا موسكو تايمز” إن وكالات الاستخبارات في البلاد كانت تركز بشكل كبير على مطاردة منتقدي الكرملين بدلاً من التهديدات الفعلية.
وقد تزايدت التساؤلات بشأن عجز الأجهزة الأمنية القوية في البلاد عن إحباط الهجوم الأكثر دموية في روسيا منذ عقدين من الزمن – حتى مع إصدار نظرائهم الغربيين تحذيرات عامة وخاصة قبل أسبوعين فقط.
وقال إيفان غدانوف، الرئيس السابق لمؤسسة مكافحة الفساد التابعة لزعيم المعارضة الراحل أليكسي نافالني في حديث للصحيفة : “الأمر اللافت للنظر هو عدم الكفاءة الكارثية لأجهزتنا الأمنية”.
فان شيراك، من جانبه قال إن الصمت حيال عدم ضلوع كييف، الذي أكده تبني داعش للهجوم هدفه أيضا “محاولة استعطاف الرأي العام العالمي لناحية السردية الروسية لما يجري في الحرب على أوكرانيا منذ فبراير من عام 2022”.
وختم قائلا “الأوكرانيون أثبتوا في السابق بأنهم حين تتاح لهم الفرصة لضرب أعدائهم سيفعلون حتما، لكنهم سيستهدفون القواعد العسكرية والأهداف التي تدخل ضمن ذلك.. لم يثبت ولو مرة أنهم استهدفوا مدنيين، بعكس ما تفعله موسكو في أوكرانيا”.

