في تطور لافت في الحرب التجارية الأمريكية، استندت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى “المادة 122” من قانون التجارة الأميركي، المعروفة بـ”صلاحية ميزان المدفوعات”، وذلك بعد ساعات على إبطال المحكمة العليا للولايات المتحدة أكبر منظومة رسوم جمركية فرضها في العصر الحديث. تعود هذه المادة، التي تم إقرارها في سياق الجدل الذي أعقب الرسوم الإضافية على الواردات التي فرضها الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1971، لتصبح محوراً جديداً في استراتيجية الرسوم الجمركية الأمريكية عالمياً.
تمنح “المادة 122” الرئيس الأمريكي صلاحية فرض رسوم إضافية مؤقتة أو حصص استيراد لمعالجة مشكلات جوهرية في المدفوعات الدولية. ورغم أن هذه الصلاحية صُممت لمعالجة اختلالات حادة في ميزان المدفوعات ضمن نظام أسعار صرف ثابتة، إلا أن إدارة ترامب تسعى للاستفادة منها في سياق اقتصادي مغاير، مما يثير تساؤلات حول نطاق تطبيقها وتأثيرها الاقتصادي.
ما هي “المادة 122” من قانون التجارة الأميركي؟
“المادة 122″ هي جزء من قانون التجارة الأمريكي لعام 1974، وتُعرف رسمياً بـ”صلاحية ميزان المدفوعات”. هذه المادة تخول للرئيس فرض رسوم جمركية إضافية مؤقتة أو فرض حصص استيراد على السلع المستوردة لمعالجة مشكلات جوهرية في المدفوعات الدولية. يمكن أن تصل الرسوم المفروضة بموجب هذه المادة إلى 15%، وتقيّد لمدة لا تتجاوز 150 يوماً، وتُعتبر أداة استثنائية لمعالجة اختلالات حادة في ميزان المدفوعات أو تدهور حاد في سعر صرف الدولار.
تعود جذور هذه المادة إلى “صدمة نيكسون” عام 1971، حين فرض الرئيس نيكسون آنذاك رسوماً إضافية بنسبة 10% على الواردات. بعد طعون قانونية من شركات أمريكية، أقر الكونغرس في قانون التجارة لعام 1974 تفويضاً صريحاً باستخدام “المادة 122″، مع فرض قيود على استخدامها في ظروف محددة مرتبطة بميزان المدفوعات.
شروط تفعيل المادة 122، والمبررات التي استند إليها ترمب
يشترط تفعيل “المادة 122” أن يواجه الاقتصاد الأمريكي مشكلات جوهرية في المدفوعات الدولية، مثل عجز كبير وخطير في ميزان المدفوعات، أو تهديد وشيك بانخفاض كبير في قيمة الدولار، أو المشاركة في جهد دولي لمعالجة اختلال واسع في موازين المدفوعات العالمية. استند إعلان البيت الأبيض الصادر في 20 فبراير 2026 إلى هذه الصلاحية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تواجه “عجزاً كبيراً وخطراً في ميزان المدفوعات”، مع تدهور صافي مركز الاستثمار الدولي.
لكن النص القانوني يتطلب أيضاً وجود “مدة زمنية محددة لتطبيقها” وموافقة الكونغرس. كما تُفرض الرسوم المفروضة بموجب هذه المادة بشكل عام على جميع الشركاء التجاريين، مع استثناءات محدودة، مما يحد من قدرة الإدارة على استهداف دول بعينها برسوم تفاضلية مقارنة بقانون الطوارئ الاقتصادية.
طعون قانونية في مواجهة “المادة 122”
أثار لجوء الإدارة الجمهورية إلى “المادة 122” جدلاً قانونياً واسعاً. يرى بعض الخبراء أن هذه المادة صيغت لمعالجة أزمات “ميزان المدفوعات” في ظل أنظمة أسعار صرف ثابتة، وليس لعلاج عجز تجاري مزمن في اقتصاد يعتمد على سعر صرف مرن. وقد استند محامون لدعم الطعون إلى مذكرات سابقة لوزارة العدل تفيد بأن العجز التجاري لا يساوي بالضرورة عجزاً في ميزان المدفوعات بالمعنى الذي قصده المشرّع في سبعينيات القرن الماضي.
إن قرار المحكمة العليا بإبطال الرسوم الجمركية السابقة دفعت إدارة ترامب إلى تفعيل هذه المادة، مما يعيد إشعال فتيل الحرب التجارية. وقد رُفعت بالفعل أكثر من 1000 دعوى قضائية تطالب باسترداد قيمة الرسوم الملغاة، مما يشير إلى تعقيدات قانونية واقتصادية قادمة.
الأثر الاقتصادي والتجاري لتطبيقها
يشير الخبراء إلى أن تطبيق رسوم عالمية بموجب “المادة 122” قد يمثل “ضريبة مدخلات” على الاقتصاد الأمريكي، مما يرفع تكلفة السلع الوسيطة والمعدات المستوردة، ويضغط على هوامش أرباح الشركات وربما يزيد الأسعار على المستهلكين، فضلاً عن تقوية الدولار. وعلى الرغم من أن هذه الرسوم قد تعوض جزءاً من الإيرادات الجمركية المفقودة، إلا أن أثرها المالي قصير الأجل ومحدود بسقف 150 يوماً، مما يجعلها أقرب إلى جسر انتقالي.
كما تحذر بعض التقديرات من أن تقوية الدولار نتيجة هذه الرسوم قد تعاكس الهدف المعلن بتقليص العجز، لأن ارتفاع قيمة العملة يضعف تنافسية الصادرات الأمريكية. وعلى صعيد الشركاء التجاريين، تُفرض الرسوم بشكل عالمي على معظم الدول، مع استثناءات لقطاعات معينة، مما يعني إعادة توزيع عبء الرسوم بين الدول.
إلى أي مدى يمكن أن يواصل ترمب استغلالها؟
تُستخدم “المادة 122” بشكل أساسي كأداة مؤقتة تمنح الإدارة الأمريكية مجالاً زمنياً لإعادة ترتيب الأوراق القانونية عبر مواد أخرى، مثل المادتين 232 و301، لفرض رسوم أكثر استهدافاً وأطول أمداً. يمكن وصف الفترة الحالية بأنها “انتقالية” بالنسبة لترامب، حيث يحاول استغلال هذه الفترة لفتح ملفات تحقيق إضافية تمنحه مزيداً من الوقت لتحقيق أهدافه التجارية. هذا التحول إلى أسس قانونية جديدة وفترة انتقالية فوضوية قد يؤثر على توقعات نمو الاقتصاد العالمي والتجارة.
في هذه الأثناء، تظل الدول والشركات الأجنبية في حالة ترقب، مع تحول العلاقة التجارية مع الإدارة الأمريكية إلى عملية تفاوض شبه مستمرة، بدلاً من بيئة قواعد مستقرة. يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى استمرار ترامب في استغلال هذه المادة، وما إذا كانت الطعون القانونية ستحول دون تحقيق أهدافه التجارية على المدى الطويل.

