تأهل منتخب الكونغو الديمقراطية لكرة القدم إلى نهائيات كأس العالم 2026 المقرر إقامتها في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وذلك بعد فوزه المثير على جامايكا بنتيجة 1-0 في مباراة الملحق العالمي. جاء هدف الحسم في الدقيقة المئة من عمر اللقاء عبر اللاعب أكسيل توانزيبي، ليضع حدًا لانتظار دام 52 عامًا منذ المشاركة الأولى في عام 1974.
هذا التأهل لا يمثل مجرد فوز رياضي، بل هو استعادة لهوية رياضية وثقافية طمستها حقبة مظلمة من الخوف والقمع. إنها قصة تحول من “زائير” الذي ذاق مرارة القمع السياسي في مونديال 1974، إلى الكونغو الديمقراطية التي تعود مدفوعة بالشغف والأمل في مونديال 2026.
حين كانت الكرة تُركل خوفا لا شغفا
في عام 1974، سجل منتخب زائير، الاسم السابق للكونغو الديمقراطية، اسمه في سجلات التاريخ باعتباره أول منتخب من أفريقيا جنوب الصحراء يشارك في كأس العالم. كانت تلك المشاركة تحمل آمالًا كبيرة، لكنها سرعان ما تحولت إلى فصل مؤلم في تاريخ كرة القدم الأفريقية.
تحت وطأة حكم الديكتاتور موبوتو سيسي سيكو، لم تكن مشاركة المنتخب مجرد تمثيل رياضي، بل تحولت إلى مسرح لاستعراض السلطة. أغدق موبوتو على اللاعبين بوعود مالية، ولكن سرعان ما تبخرت هذه الوعود حين تم سرقة مكافآتهم على يد مسؤولين مقربين منه في ألمانيا. هذا الإحباط والخذلان أثرا بشكل مدمر على معنويات الفريق، مما أسفر عن خسارة مذلة أمام يوغوسلافيا بتسعة أهداف دون مقابل.
بلغت ذروة التهديدات قبيل مباراة البرازيل، حيث أرسل موبوتو حرسه الجمهوري بتهديد مباشر للاعبين: “لا عودة أحياء إن استقبلتم أربعة أهداف”. لم يعد الملعب مجرد ساحة للمنافسة الرياضية، بل تحول إلى ساحة للبقاء والخوف.
ركلة الذعر.. ما لم تروه الكاميرات
وما زالت ذاكرة عشاق كرة القدم تتذكر مشهد المدافع مويبو إيلونغا وهو يخرج من “الحائط” الدفاعي دون إذن، ليركل الكرة قبل تنفيذ ركلة حرة مباشرة من قبل الفريق البرازيلي. ما بدا للكثيرين كجهل بقواعد اللعب، كان في الحقيقة صرخة استغاثة من لاعب يعصف به الخوف. كان إيلونغا يحاول إما الحصول على بطاقة حمراء أو إضاعة الوقت، بينما كانت أعين اللاعبين لا ترصد متعة اللعب، بل ثواني النهاية. أدرك اللاعبون أنهم يلعبون بأرواحهم، وليس فقط بسمعتهم.
لاحقًا، اعترف إيلونغا بأنه كان يعرف القواعد، لكنه كان يرتجف من الخوف. كان الفريق يلعب من أجل البقاء، لا من أجل الفوز.
انتهت المباراة بخسارة المنتخب الكونغولي بثلاثة أهداف دون رد، وقد نجا اللاعبون جسديًا، لكنهم لم ينجوا من انتقام موبوتو. قام بمصادرة ممتلكاتهم ومنعهم من الاحتراف، ليتحول نجوم القارة الأفريقية إلى ظلال منسية في شوارع العاصمة كينشاسا.

مونديال 2026: زئير الفهود بالحب لا بالرعب
تعود الكونغو الديمقراطية إلى كأس العالم بعد غياب دام 52 عامًا، لتنضم إلى البرتغال وكولومبيا وأوزبكستان في المجموعة الـ11. وبهذا، يصبح المنتخب الكونغولي هو المنتخب الأفريقي العاشر الذي سيشارك في النسخة الموسعة من مونديال 2026.
جاء هدف التأهل التاريخي عبر اللاعب أكسيل توانزيبي، لاعب بيرنلي الحالي ومانشستر يونايتد السابق، من متابعة لكرة عرضية في الدقيقة الأولى من الشوط الإضافي الأول. توانزيبي، الذي يحمل جواز سفر أوروبي، أثبت أن قلبه كان كونغوليًا خالصًا في تلك الليلة الحاسمة.

الفرق الجوهري بين جيل 1974 وجيل 2026 لا يكمن فقط في مستوى اللعب، بل في حقيقة أن لاعبي اليوم يطأون المستطيل الأخضر دون خوف من تهديدات خارجية. إنهم يحترفون في أوروبا، ويعيشون بعيدًا عن قبضة السياسة، ويحملون أحلامًا شخصية ووطنية في آن واحد.
انتصار على الإرث قبل البطولة
هذه هي المرة الثانية التي تتأهل فيها الكونغو الديمقراطية إلى كأس العالم، بعد أكثر من نصف قرن على مشاركتها الأولى عام 1974 تحت اسم زائير. الفرق الشاسع يكمن في الدافع؛ فجيل 1974 لعب تحت وطأة الخوف والتهديد، بينما يدخل جيل 2026 الملاعب مدفوعًا بالحلم والأمل.
إن تأهل “الفهود” الكونغوليين هو انتصار حقيقي على إرث موبوتو القمعي، قبل أن يبدأ أي صافرة رسمية في ملاعب أمريكا الشمالية. يمثل هذا التأهل بداية فصل جديد، فصل تُروى فيه قصة كرة القدم بشغف وحرية، بعيدًا عن أصداء الرعب.
ما القادم؟
مع انتهاء مرحلة التصفيات، تتجه الأنظار الآن نحو استعدادات الكونغو الديمقراطية للمشاركة في كأس العالم 2026. يبقى التحدي الرئيسي هو بناء فريق قادر على المنافسة على أعلى المستويات، بالنظر إلى قوة المنتخبات الأخرى المشاركة. ترقبوا المزيد من التفاصيل حول البرنامج الإعدادي للمنتخب واللاعبين الذين سيمثلون “الفهود” في هذا المحفل العالمي.

