يشهد سوق خدمات توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي تحولًا كبيرًا مع إعلان شركة OpenAI عن إيقاف تطبيقها الرائد Sora، وذلك في الوقت الذي تستعد فيه شركة xAI المملوكة لإيلون ماسك لإطلاق الجيل الجديد من منصتها للفيديوهات Grok Imagine. هذا التطور يأتي بعد أقل من ستة أشهر على إطلاق Sora، الذي حقق انتشارًا سريعًا في البداية، مما يعكس المنافسة الشديدة والتحديات المتزايدة في هذا القطاع الناشئ.
OpenAI تغلق Sora.. وماسك يستعد بـ Grok Imagine
بعد فترة وجيزة من إطلاقه في سبتمبر الماضي، تصدر تطبيق Sora من OpenAI متجر تطبيقات آبل، محققًا نحو مليون تحميل في أقل من أسبوع، الأمر الذي عزز من التوقعات حول احتمالية امتلاك OpenAI لمنتج استهلاكي واعد. إلا أن هذا الزخم لم يدم طويلاً، حيث تراجعت معدلات التحميل بشكل ملحوظ، مما دفع الشركة إلى اتخاذ قرار بإيقاف التطبيق وواجهة البرمجة الخاصة به (API) وميزة توليد الفيديو داخل ChatGPT.
وأعلنت OpenAI رسميًا عن إنهاء التطبيق عبر منشور على منصة “إكس”، موضحة أنها اضطرت لإجراء “مفاضلات” بين منتجاتها، خاصة تلك التي تتطلب موارد حوسبة مرتفعة. ورغم عدم تحديد موعد الإغلاق النهائي، تعمل الشركة حاليًا على تمكين المستخدمين من تصدير محتواهم قبل إنهاء الخدمة بشكل كامل، مما يشير إلى إعادة ترتيب شاملة لأولويات الشركة.
مؤشرات التراجع وفجوة التكاليف
كشفت البيانات عن تراجع ملحوظ في أداء Sora، حيث بلغت التنزيلات ذروتها في نوفمبر، قبل أن تنخفض بنسبة 32% و 45% في الشهرين التاليين على التوالي. وعلى صعيد الإيرادات، لم يحقق التطبيق سوى حوالي 2.1 مليون دولار، بينما تشير التقديرات إلى أن تكاليف تشغيله اليومية بلغت نحو 15 مليون دولار. هذه الفجوة الكبيرة بين الإيرادات والتكاليف التشغيلية تعكس صعوبة بناء نموذج أعمال مستدام، حتى مع وجود إبهار تقني.
ولم تقتصر تداعيات قرار الإيقاف على الجانب التشغيلي، بل امتدت لتشمل شراكات استراتيجية بارزة، مثل الاتفاقية التي كانت OpenAI قد أبرمتها مع “ديزني”، والتي كانت تتضمن استثمارًا مخططًا بقيمة مليار دولار. وأكدت تقارير أن الصفقة انهارت قبل تحويل أي أموال، مما يبرز حجم التأثير الذي يمكن أن يخلّفه انسحاب مفاجئ من سوق ناشئ عالي التكاليف.
الضغوط القانونية والأخلاقية
بالتوازي مع التحديات المالية، واجه Sora ضغوطًا قانونية وأخلاقية متزايدة، تمثلت في انتشار مقاطع مولّدة لأشخاص حقيقيين، بما في ذلك شخصيات عامة متوفاة، وظهور شخصيات محمية بحقوق النشر مثل “ماريو” و”بيكاتشو”، رغم القيود التقنية المفروضة. أثار ذلك تساؤلات واسعة حول قدرة هذه المنصات على ضبط المحتوى واحترام حقوق الملكية الفكرية.
في ظل هذه البيئة المعقدة، لم يعد تقييم خدمات الفيديو التوليدي قائمًا على جودة المخرجات وحدها، بل على قدرة الشركات على إدارة المخاطر المرتبطة بها على المستويين القانوني والأخلاقي. وفي إطار إعادة ترتيب أولوياتها، سيتحول فريق Sora إلى العمل على “أبحاث محاكاة العالم” لدعم تطوير تقنيات الروبوتات، كما تخطط OpenAI لدمج منتجاتها المختلفة في منتج مكتبي موحد، مما يعكس توجهًا نحو منتجات أكثر ارتباطًا بالاستخدامات العملية والاحترافية.
ماسك ينتهز الفرصة
في المقابل، يسعى إيلون ماسك إلى استغلال هذا التحول، معلنًا أن الإصدار المقبل من Grok Imagine سيكون “استثنائيًا”. تضع xAI، التي اندمجت مع “سبيس إكس”، تقنيات الفيديو ضمن أربعة محاور رئيسية في استراتيجيتها، في سياق توسع الشركة الساعية لمنافسة أدوات الذكاء الاصطناعي الرائدة.
ويفتح إغلاق Sora المجال أمام شركات أخرى مثل Runway AI وألفابت لتعزيز حضورها في السوق، لكن ذلك يثير تساؤلات حول جدوى الاستثمار في هذا القطاع، في ظل ارتفاع التكاليف التشغيلية مقابل عوائد محدودة. يبعث انسحاب لاعب بحجم OpenAI رسالة واضحة مفادها بأن النجاح في هذا المجال لن يُحسم بمجرد امتلاك نموذج متقدم، بل بقدرة الشركة على تحمل كلفة التشغيل، واحتواء المخاطر، وبناء مسار ربحي يمكن الدفاع عنه.
تحديات xAI وظل Grok
رغم الطموحات التوسعية، تواجه xAI تحديات داخلية، تمثلت في مغادرة عدد من كوادرها البارزين، بمن فيهم المسؤول عن مشروع Imagine. لكن التحدي الأبرز يكمن في الجدل المتصاعد عالميًا حول أدواتها، وبصورة خاصة Grok وميزة Grok Imagine.
ففي موازاة الرهان على الفيديو، واجه “جروك” موجة انتقادات عالمية بعد تورطه في نشر صور إباحية مولّدة بالذكاء الاصطناعي دون موافقة أصحابها، مما أثار مخاوف بشأن إمكانية إنتاج محتوى يحاكي أشخاصًا حقيقيين دون إذنهم، واستخدام هذه التقنيات في التشهير أو التضليل أو الابتزاز. وقد دفعت هذه الضغوط الشركة إلى فرض قيود إضافية على بعض قدرات التوليد.
واتجه الاتحاد الأوروبي نحو مناقشة حظر أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على إنشاء صور أو مقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية جنسية مزيفة لأشخاص حقيقيين دون موافقتهم، ضمن مقترحات تنظيمية جديدة جاءت في أعقاب الجدل الذي أثاره استخدام Grok. تسعى بروكسل إلى منع تسويق أو توفير أي نظام ذكاء اصطناعي داخل أوروبا إذا كان قادرًا على إنتاج هذا النوع من المحتوى غير التوافقي.
ووفق تقديرات نُسبت إلى منظمات مجتمع مدني، ربما أنتجت الأداة ملايين الصور الجنسية غير التوافقية، منها صور مرتبطة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قبل إدخال تغييرات تقنية للحد من انتشار هذا النوع من المحتوى. فرضت المنصة الاجتماعية قيودًا على خاصية إنشاء الصور، مؤكدة التزامها بجعل منصة “إكس” بيئة آمنة للجميع.
ومع ذلك، يظل السؤال مطروحًا بشأن ما إذا كانت هذه الإجراءات كافية لمنع الأضرار الناتجة عن التكنولوجيا، خاصة أن القضية تحولت إلى ملف تشريعي وأخلاقي عابر للحدود. ورغم كل التحديات، يبدو أن ماسك يسعى إلى مزيد من المنافسة في سوق إنشاء الفيديوهات. لا يمثل إغلاق Sora نهاية سوق فيديو الذكاء الاصطناعي، بل يعكس انتقاله إلى مرحلة أكثر نضجًا وتعقيدًا، مع وجود لاعبين مثل Kling AI ونموذج Seedance القادم من بايت دانس.

