كشفت منظمة العمل الدولية، في تقرير عالمي جديد صدر في 29 أبريل 2026، أن أكثر من 840 ألف شخص يفقدون حياتهم سنوياً بسبب أمراض ومضاعفات صحية مرتبطة بـ”المخاطر النفسية والاجتماعية في بيئة العمل”، مما يسلط الضوء على كلفة خفية تتحملها أسواق العمل حول العالم، لا تُقاس فقط بالأرقام الاقتصادية، بل بأرواح العاملين وصحتهم النفسية والجسدية.
يشير التقرير، بعنوان “بيئة العمل النفسية والاجتماعية: تطورات عالمية ومسارات للتحرك”، إلى أن ساعات العمل الطويلة، وانعدام الأمان الوظيفي، وارتفاع متطلبات العمل، والتنمر والتحرش في أماكن العمل، باتت من أبرز العوامل التي تدفع الموظفين نحو أمراض خطيرة، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية والاضطرابات النفسية، بما في ذلك الانتحار.
بيئة العمل.. الخطر غير المرئي
يشير التقرير إلى أن الخطر لم يعد محصوراً في الحوادث المهنية التقليدية أو الإصابات الجسدية، بل امتد إلى طريقة تصميم العمل نفسه، وكيفية تنظيمه وإدارته.
وتُعرّف منظمة العمل الدولية “البيئة النفسية والاجتماعية للعمل” بأنها مجمل العناصر المرتبطة بطبيعة الوظيفة، وأساليب الإدارة، والعلاقات داخل المؤسسة، والسياسات والإجراءات التي تحكم العمل، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة في صحة العاملين ورفاههم، كما تنعكس على أداء المؤسسات وإنتاجيتها.
أولا: طبيعة الوظيفة نفسها
تبدأ المخاطر النفسية والاجتماعية من جوهر العمل ذاته، أي من كيفية تصميم الوظيفة ومحتواها اليومي.
تشمل هذه المخاطر حجم المسؤوليات، ومدى توافق المهام مع مهارات العامل، وتوافر الموارد اللازمة، وطريقة تصميم المهام بما يمنحها معنى وتنوعاً، بالإضافة إلى الاستخدام الفعال للمهارات.
ثانيا: طريقة تنظيم العمل وإدارته
تلعب طريقة إدارة العمل داخل المؤسسة دوراً محورياً في تحديد مستوى الضغط الذي يتعرض له الموظفون.
من العوامل المؤثرة في هذا المستوى، وضوح الأدوار، وتحديد التوقعات، ومستوى الاستقلالية الممنوح للعامل، وحجم عبء العمل، وسرعة الإنجاز المطلوبة، ومدى الدعم والإشراف الذي يتلقاه الموظف.
ثالثا: السياسات العامة داخل المؤسسة
تشكل السياسات المؤسسية الإطار الأوسع الذي ينظم بيئة العمل ويحدد قواعدها وتأثيرها على العاملين.
تشمل هذه السياسات أنظمة التوظيف، وساعات العمل، وآليات إدارة التغيير المؤسسي، والرقابة الرقمية على الموظفين، ونظم التقييم والمكافآت، وسياسات السلامة المهنية، والإجراءات الخاصة بمنع العنف والتحرش، وآليات التشاور مع العاملين وإشراكهم في القرارات.
خسارة صحية واقتصادية
لا تقتصر آثار هذه المخاطر على الجانب الإنساني، إذ قدرت المنظمة أن الضغوط النفسية والاجتماعية المرتبطة بالعمل تؤدي إلى خسارة نحو 45 مليون سنة من الحياة الصحية سنوياً، وهو مقياس يعكس سنوات العمر التي تضيع بسبب المرض أو الإعاقة أو الوفاة المبكرة.
اقتصادياً، تترجم هذه الخسارة إلى عبء مالي ثقيل، إذ تقدر كلفتها بما يعادل 1.37% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنوياً، نتيجة انخفاض الإنتاجية، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وتراجع الأداء المؤسسي، وزيادة الغياب عن العمل.
كيف وصلت المنظمة إلى رقم 840 ألف وفاة؟
اعتمدت منظمة العمل الدولية في تقديرها على تحليل انتشار 5 مخاطر رئيسية في بيئات العمل حول العالم: ضغط العمل المرتفع مع ضعف السيطرة على المهام، اختلال التوازن بين الجهد المبذول والمكافأة، انعدام الأمان الوظيفي، ساعات العمل الطويلة، والتنمر والتحرش في مكان العمل.
تم ربط هذه البيانات بأبحاث علمية تثبت العلاقة بين تلك العوامل وبين الإصابة بأمراض خطيرة مثل أمراض القلب والسكتات الدماغية والاكتئاب والقلق والانتحار، ثم قاموا بمقاطعة ذلك مع بيانات منظمة الصحة العالمية لدعم تقدير حجم الوفيات والخسائر الصحية.
تحولات سوق العمل.. مخاطر جديدة
يرى التقرير أن التحولات الكبرى في عالم العمل، مثل الرقمنة والذكاء الاصطناعي والعمل عن بعد وأنماط التوظيف الجديدة، تعيد تشكيل البيئة النفسية والاجتماعية للعمل بصورة متسارعة.
ورغم أن هذه التغيرات قد تتيح مرونة أكبر وتحسن تنظيم العمل، فإنها قد تخلق أيضاً أشكالاً جديدة من الضغط النفسي، مثل المراقبة الرقمية المستمرة وضبابية الحدود بين الحياة الشخصية والعمل وتصاعد القلق المرتبط بعدم الاستقرار المهني.
وتقول المسؤولة عن سياسات وأنظمة السلامة المهنية في منظمة العمل الدولية منال عزي إن المخاطر النفسية والاجتماعية أصبحت واحدة من أبرز تحديات السلامة والصحة المهنية في عالم العمل الحديث، مؤكدة أن تحسين بيئة العمل النفسية لم يعد مجرد قضية رفاه وظيفي، بل شرط أساسي لحماية صحة العاملين وتعزيز الإنتاجية وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة.
ما وراء الأرقام
خلف رقم 840 ألف وفاة سنوياً، تقف قصة مختلفة في كل مكتب ومصنع ومؤسسة: موظف يعمل لساعات تستنزفه، وآخر يعيش تحت ضغط دائم خشية فقدان وظيفته، وثالث يواجه بيئة عمل سامة تنهك صحته بصمت.
وفي وقت تتسابق فيه المؤسسات على رفع الكفاءة وتعظيم الأرباح، يُذكّر تقرير منظمة العمل الدولية بحقيقة واضحة، وهي أن بيئة العمل غير الصحية لا تقتل الشغف فقط، بل قد تقتل الإنسان نفسه.

