باريس – يتجلّى العمق الفلسفي والتأمّلي في أعمال الأديب التونسي أبوبكر العيادي، الذي ينسج من خيوط التجربة والذاكرة والخيال عوالم تستكشف بواطن النفس البشرية وعلاقتها بالآخر. عبر مسيرته التي تمتد لأكثر من مئة عمل، يقدم العيادي، المولود في تونس عام 1949، مشروعًا إبداعيًا متنوعًا يدافع عن إنسانية الإنسان ويغوص في أسئلة الحرية والفكر والتعايش.
بعد عقود من الإقامة في باريس، اتسعت رؤية العيادي ليتناول من خلال كتاباته بصمات الفراشة ووميض الإبداع، متجاوزًا الحدود الجغرافية والثقافية. في حوار له، يتناول العيادي أدب الرحلة كفعل لترميم الذات، والترجمة كرحلة موازية، ويحلل خطاب الاستشراق ويتأمل في الحداثة ومآلات الثورة التونسية.
“على الدروب السوداء”.. ترميم الجسد والروح
تُبرز ترجمة العيادي لكتاب “على الدروب السوداء” لسيلفان تيسون، أن الرحلة ليست مجرد تنقل جغرافي، بل هي “مسار لترميم الذات”، تتداخل فيها الأبعاد الجسدية والنفسية. يصف العيادي الرحلة في هذا السياق بأنها محاولة لإعادة بناء الوجود بعد الانكسار، مؤكدًا على أن “طريق الرّحالة خير من غايته”.
في هذا العمل، يتحول الألم الجسدي إلى لغة تستعيد بها الذات توازنها. يوضح العيادي أن تيسون، بصفته أديبًا قبل أن يكون رحّالة، يجسد هذه المفارقة من خلال لغته الغنية. واجه المترجم تحديًا في نقل هذا الإحساس بكثافته، خاصة مع تفاصيل أرياف فرنسا وحادث تيسون الذي سبّب له شللًا نصفيًا في الوجه.
حصل العيادي على جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة عام 2023 عن ترجمته لكتاب “محور الذئب” لنفس الكاتب. تُعد هذه الجائزة، التي يحتفي بها المركز العربي للأدب الجغرافي “ارتياد الآفاق”، في العالم العربي بادرة مهمة لتكريم أدب الرحلة، فهي لا تحتفي فقط بالتنقل الجغرافي، بل تؤكد على قيمة الرحلة كفعل معرفي وتبادل ثقافي، مشكّلة جسرًا للحوار بين الحضارات.
المستعرب الغربي ومأزق الوعي العربي
يعكس كتاب “مسار مستعرب” لأندريه ميكيل، الذي ترجمه العيادي حديثًا، نظرة خارجية إلى الثقافة العربية، لكنها نظرة متجذرة في الحب والتقدير. يرفض ميكيل وصفه بالمستشرق، ويرى نفسه “مستعربًا” عشق اللغة العربية وآدابها. هذا الكتاب، الذي وضعه ميكيل قبيل وفاته، يلخص مسيرته المهنية والفكرية، ويعكس عشقه للأدب العربي بمفهومه القديم.
يفتح هذا العمل نقاشًا حول علاقة “المستعرب” بالثقافة العربية، حيث يدافع ميكيل عن الثقافة العربية بلسان يفوق أحيانًا لسان أبنائها. وفي سياق نقده للاستشراق، يقر العيادي بأن بعض المستشرقين، مثل كارل بروكلمان وإيفاريست ليفي بروفنسال، قد أسهموا في إحياء التراث الإسلامي. لكنه يؤكد على ضرورة تفكيك الطبيعة البنيوية للاستشراق كجهاز معرفي يتقاطع فيه العلم بالسياسة والأيديولوجيا، كما بيّن إدوارد سعيد.
يُشير العيادي إلى أن المأزق لا يكمن في صورة الشرق لدى الغرب، بل في تأخر الوعي التاريخي العربي عن استيعاب شروط الحداثة. دعوته هي لتحرير العقل من سلطة الأرثوذكسية، مشددًا على أن التركيز يجب أن يكون على كيفية إنتاج الوعي بالذات. عبر عمله الترجمي، يحاول العيادي تقريب وجهات النظر، بينما يسعى من خلال عمله الفكري إلى نقد النظرة الاستشراقية الاستعلائية، التي تتجلى في أشكال معاصرة مثل الإسلاموفوبيا، ليعمل “كممرر” لنقل الوجه المضيء للثقافة بين الضفتين.
لعنة الغزارة
تتسم رواية العيادي الجديدة، “أوتونوموس”، بطرح أسئلة حول الإنسان وقناعاته في عصر التقنية. تسعى الرواية، وهي التاسعة في رصيده، لطرح سؤال الحرية الإنسانية في مواجهة السلطة، مستعرضة مصائر شخصيات تحكم عليها ظروف ذاتية وموضوعية بإعادة النظر في قناعاتها.
يُبرر العيادي غزارة إنتاجه، الذي يتجاوز المائة عمل، بأن نصفها ترجمات، والنصف الآخر يتوزع بين التعريف بالموروث الثقافي العربي للقارئ الفرنسي، والمقالات الفكرية، والسرد. مؤكدًا على حرية اختياراته وعدم اهتمامه بالصورة التي قد يحملها القارئ عنه، وأن حرصه على إتقان كل عمل هو ما أكسبه جوائز في مختلف الأجناس الأدبية. ويشير إلى أن السيوطي، الذي توفي في سن الخمسين، ترك 561 عنوانًا، دون مساعدة التقنيات الحديثة.
يرى العيادي أن الخيط الرابط الذي يوحد مشروعه الأدبي المتعدد هو مبدأ إعلاء القيم النبيلة والدفاع عن إنسانية الإنسان. فالترجمة لغرض الإفادة، والعمل الصحافي كأداة لبلوغ الحقيقة، والإبداع وسيلة لتصوير التحولات المجتمعية، ومعاناة العرب في الهجرة، وفضح الدجل السياسي.
رماد الثورة التونسية
تناول العيادي الثورة التونسية في روايته “ورقات من دفتر الخوف” ومجموعة “جمر كانون”، وجعل تبعاتها خلفية لأعماله الأخيرة، مشيرًا إلى كيف تم “إجهاض” الثورة والاستيلاء عليها. يبقى السرد الروائي حول الثورة نادراً، في الوقت الذي اختار فيه العديد من الكتاب الابتعاد عن الراهن ومراجعة التاريخ.
يؤكد العيادي أن لهيب الثورة التونسية قد خمد تمامًا، ورُدم تحت أكوام من الرماد، وأن ما نشهده اليوم هو تنكر للمبادئ التي قامت عليها الثورة. ما يزيد من خطورة الوضع هو تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مما قد يشعل البلاد من جديد. ويؤكد على أنه ليس هناك ما هو أخطر من شعب لم يعد لديه ما يخسر.



