تحليل دولي: الحرب الأمريكية الإيرانية تعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط وآسيا وأسواق الطاقة

لم تعد المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران حدثًا منفصلًا، بل باتت تشكل عقدة مركزية تعيد رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط وآسيا، وتؤثر على أسواق الطاقة العالمية. في الوقت ذاته، يعاد تعريف حدود القوة الأمريكية وأدواتها في النظام الدولي.

تناولت أربع صحف ومواقع أمريكية وبريطانية تفاعلات هذه الحرب وامتداداتها، وأجمعت التحليلات على أن الصراع يتجاوز المفاوضات النووية والضربات العسكرية والعقوبات الاقتصادية. ليشمل شبكة مترابطة من الممرات البحرية الحيوية، مثل مضيق هرمز، والضغوط الاقتصادية المتبادلة، والتحولات في مواقف الحلفاء، وصولًا إلى انعكاسات غير مباشرة على التنافس الأمريكي الصيني في آسيا، خاصة في ملف تايوان وأمن الطاقة العالمي.

تنازلات غير مريحة: دعوة “فورين أفيرز” لحل دبلوماسي

نشرت مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية مقالًا تحليليًا بعنوان “كلفة السلام مع إيران” لبول بيكرينغ وغابرييل ريفكيند وبول إنغرام. أكد المقال أن تحقيق سلام مستدام يتطلب من الولايات المتحدة تقديم تنازلات غير مريحة بدلًا من التمسك بسياسات الضغط القصوى.

قدمت المجلة إطارًا تفاوضيًا يشير إلى أن الجمود الحالي بين واشنطن وطهران لا يعود فقط إلى خلافات تقنية حول تخصيب اليورانيوم أو الرقابة الدولية، بل إلى انهيار عميق في الثقة المتبادلة تراكم منذ عقود. فإيران ترى أن الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق النووي قبل سنوات، بينما ترى واشنطن أن طهران تستغل أي مساحة تفاوضية لتعزيز قدراتها الصاروخية والنووية.

تقترح “فورين أفيرز” إنشاء هيئة إقليمية متعددة الأطراف لإدارة دورة الوقود النووي، تضم دولًا مثل قطر والسعودية والإمارات وتركيا، ما يعزز الشفافية ويحد من مخاطر الانحراف نحو التسلح.

وتضيف “فورين أفيرز” أن هذا الانسداد لا يمكن تجاوزه عبر الضغط وحده، بل يتطلب ما تسميه “جسراً ذهبياً” يسمح لكل طرف بتقديم تنازلات دون أن يظهر بمظهر المهزوم داخليًا. يتضمن ذلك، بحسب الطرح، الاعتراف بحق إيران في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية ضمن رقابة دولية مشددة، مقابل قيود صارمة على التخصيب وأجهزة الطرد المركزي، إضافة إلى ترتيبات إقليمية جديدة تتعلق بالملاحة في مضيق هرمز.

“فورين أفيرز”: هذا الانسداد لا يمكن تجاوزه عبر الضغط وحده.

الجسر الذهبي: امتدادات الصراع وأدواته

من جهة أخرى، قدمت مجلة “ذي أتلانتيك”، في تحليل للكاتب توماس رايت، قراءة أكثر تشدداً للواقع، إذ ترى أن المشكلة لا تكمن في تفاصيل الاتفاق بل في قناعة راسخة لدى كل من الطرفين بأن الحرب نفسها قد حسمت لصالحه. فالرئيس ترمب يعتقد أن الضربات العسكرية والحصار البحري أضعفا القدرات الإيرانية إلى حد كبير، بينما ترى طهران أنها نجحت في الصمود، بل وفرضت نفسها كقوة قادرة على تعطيل واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

يشير رايت إلى أن هذا الإدراك المتبادل للنصر الجزئي يجعل كل طرف أقل استعداداً للتنازل، لأن التفاوض في هذه الحالة لا يُنظر إليه كحل وسط، بل كتنازل عن مكاسب ميدانية تم تحقيقها بالفعل. كما يحذر الكاتب من أن استمرار سياسة الحصار قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ تمتلك إيران خبرة طويلة في التكيف مع العقوبات، وقدرة على إعادة توجيه صادراتها النفطية عبر قنوات بديلة.

“توماس رايت”: استمرار سياسة الحصار قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

أكسيوس: ازدواجية واشنطن بين الدبلوماسية والعسكرة

في المقابل، يقدم موقع “أكسيوس” صورة أكثر ديناميكية للمشهد السياسي داخل واشنطن. فبحسب تقارير الصحفي باراك رافيد، يتحرك البيت الأبيض بين خيارين متناقضين: تصعيد عسكري محدود يهدف إلى الضغط على إيران، أو قبول مقترحات إيرانية جزئية تتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز مقابل استمرار المفاوضات. ويكشف “أكسيوس” أن إيران قدمت بالفعل مقترحًا من 14 بندًا يتضمن مرحلتين زمنيتين: الأولى لوقف التصعيد وإعادة فتح المضيق وإنهاء العمليات العسكرية، والثانية للتفاوض حول البرنامج النووي.

لكن الإدارة الأمريكية، رغم دراسة المقترح، لا تزال مترددة، في ظل تقارير عن خطط عسكرية جاهزة لضربات محتملة، ما يعكس ازدواجية واضحة بين المسار الدبلوماسي والتحضير العسكري. تبرز هذه الازدواجية أيضًا في تصريحات ترمب التي تجمع بين التهديد والانتظار، إذ يؤكد من جهة احتمال اتخاذ إجراءات عسكرية جديدة إذا “ساء سلوك” إيران، ومن جهة أخرى يترك الباب مفتوحًا أمام دراسة المقترحات المطروحة، ما يعكس حالة من الغموض الاستراتيجي في القرار الأمريكي.

ذا تايمز: قلق في آسيا وتأثيرات على التنافس العالمي

أما صحيفة “ذا تايمز” البريطانية، فتوسع زاوية النظر لتشمل البعد العالمي للصراع، خصوصا في آسيا، حيث ترى أن الحرب في إيران أصبحت عاملاً مباشرًا في إعادة تشكيل مواقف الدول الآسيوية من الولايات المتحدة والصين. فالتداعيات الاقتصادية لإغلاق أو تهديد مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، انعكست بسرعة على اقتصادات تعتمد بشكل كبير على الطاقة المستوردة مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا.

“تايمز”: أي نجاح لإيران في هرمز قد يشجع الصين على التفكير باستخدام أدوات مشابهة في مضيق تايوان.

وتشير الصحيفة إلى أن هذه الدول بدأت تشعر بقلق متزايد من عدم استقرار السياسة الأمريكية، خاصة مع تكرار التهديدات العسكرية والتقلب في المواقف، مقابل صورة أكثر هدوءًا نسبياً للصين التي تظهر كقوة قادرة على الاستفادة من الأزمات دون الانخراط المباشر فيها. وترى “ذا تايمز”، أن أي نجاح لإيران في فرض معادلات ضغط عبر الممرات البحرية قد يشجع الصين على التفكير في استخدام أدوات مشابهة في مضيق تايوان، الذي يعد أكثر أهمية اقتصادياً من مضيق هرمز من حيث حجم التجارة العالمية، مما قد يؤدي إلى خسائر عالمية ربما تصل إلى 5 تريليونات دولار.

ومع تداخل هذه الملفات، تتقاطع تحليلات الصحف الأربع عند فكرة مركزية: الولايات المتحدة لم تعد تواجه خصمًا واحدًا في إيران، بل تواجه شبكة من التحديات المترابطة التي تمتد من الخليج إلى آسيا، ومن الطاقة إلى التكنولوجيا، ومن الممرات البحرية إلى التحالفات السياسية.

الخطوات القادمة: تترقب الأسواق والمراقبون الدوليون أي تطورات في مسارات التفاوض بين واشنطن وطهران، في ظل عدم اليقين المستمر بشأن جدوى استراتيجية الضغط الأمريكية، وتأثيرها على استقرار أسواق الطاقة العالمية، بالإضافة إلى انعكاساتها على الديناميكيات الجيوسياسية في آسيا.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version