يدخل المشهد السياسي العراقي مرحلة حاسمة مع ترقب تقديم رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي لبرنامجه الحكومي وتشكيلته الوزارية إلى البرلمان. تشير المعطيات الأولية إلى حسم أكثر من نصف الحقائب الوزارية، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في قدرة الزيدي، المرشح الذي يوصف بـ”مرشح الضرورة”، على الموازنة بين المطالب الداخلية المعقدة والاشتراطات الخارجية المتضاربة. يأتي هذا الترقب في ظل اهتمام دولي ملحوظ، خاصة مع دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للزيدي لزيارة البيت الأبيض، مما يضع تشكيل الحكومة الجديدة تحت المجهر الإقليمي والدولي.

وفي هذا السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، إياد العنبر، أن حسم الوزارات الأساسية لم يشهد خلافات جوهرية، حيث تم تخصيص وزارة النفط لكتلة محمد شياع السوداني، مع مرونة ملحوظة من الكتل الكردية والسنية. ومع ذلك، تبرز “عقدة المنشار” تتمثل في كيفية تمثيل الفصائل المسلحة ضمن الحكومة الجديدة، وهو ما يشكل الاختبار الأول للزيدي في محاولة التوفيق بين ضغوط الإطار التنسيقي والموقف الأمريكي الرافض بشدة لأي تواجد للمسلحين في الحكومة. استراتيجية الزيدي، وفقاً للعنبر، تعتمد على تمرير الحكومة بسرعة عبر حسم أكثر من نصف التشكيلة الوزارية لتجنب محاولات العرقلة.

عقدة المنشار

ويرى الخبراء أن التحدي الرئيسي أمام الزيدي يتمثل في إيجاد توازن دقيق يسمح له بتشكيل حكومة أغلبية قادرة على إحداث تغيير فعلي، دون الابتعاد عن التحالفات والقوى التي دعمته. وتزداد هذه المعضلة تعقيداً مع التباين في مواقف القوى الإقليمية والدولية حيال مستقبل العملية السياسية في العراق.

تكنوقراط بظل “الإطار”

من ناحيته، يصف أستاذ الفكر السياسي في الجامعة المستنصرية، طالب محمد كريم، حكومة الزيدي بأنها قد تحمل طابعاً تكنوقراطياً نظراً لكون رئيسها قد جاء من خارج الأطر الحزبية التقليدية. لكن كريم يطرح تساؤلاً حول مدى استقلالية هذه الحكومة إذا ظل الإطار التنسيقي يشرف من الظل على برنامجها الحكومي. ويرجح كريم أن “التغريدة الأمريكية” التي وجهها الرئيس ترمب كانت عاملاً حاسماً في تراجع بعض الأسماء المرشحة ودفع الزيدي كخيار دولي يحظى بقبول أوسع.

التوازن الحرج

في قراءة للمشهد الإقليمي، يعتقد أستاذ العلوم السياسية في جامعة النهرين، عامر المعامير، أن التشكيلة الحكومية النهائية ستخضع بشكل كبير للاعتبارات الدولية. ويرى المعامير أن مباركة واشنطن لترشيح الزيدي قد تشير إلى رغبة في “مرحلة انتقالية” نحو عراق مختلف، بينما كان قبول طهران بالزيدي “شرطاً مسبقاً” لترشيحه من قبل الإطار التنسيقي، مما يجعله “قاسماً مشتركاً” بين العاصمتين.

لكن أياد العنبر يحذر من أن “المباركة الإيرانية” قد تكون دبلوماسية بانتظار مدى استجابة الزيدي للشروط الأمريكية، مؤكداً أن إيران تملك القدرة على “خلط الأوراق” عبر أذرعها السياسية والمسلحة إذا شعرت بتهميش مصالحها. وقد تواصل الزيدي مع قادة إقليميين ودوليين، منهم الرئيس ترمب، الذي أبدى تحفظات على إشراك فصائل من “الحشد الشعبي” في الحكومة، خاصة في ظل الهدنة الهشة بين واشنطن وطهران.

رهان المفاوضات

يقف الزيدي أمام استحقاقين متوازيين؛ يربط المعامير نجاحه بمدى التوافق الأمريكي الإيراني في المفاوضات الإقليمية، بينما يشدد طالب كريم على أن النجاة الحقيقية تكمن في استعادة “الشرعية الداخلية” وإصلاح المنظومة بعيداً عن مجرد إرضاء الخارج. تبدو الحكومة الجديدة كمن يسير على حبل مشدود، حيث نجاحها مشروط بتفاهمات القوى الكبرى، وفشلها محفوف بألغام الداخل المسلح.

ويأتي تكليف الزيدي ليضع نهاية لأزمة سياسية استمرت لأشهر، خاصة بعد تهديدات الرئيس الأمريكي بقطع الدعم عن العراق إذا عاد نوري المالكي لرئاسة الحكومة. يأتي هذا بعد تراجع الإطار التنسيقي، الكتلة الأكبر في البرلمان والمتحالف مع إيران، عن ترشيح المالكي عقب الانتخابات التشريعية، وذلك تحت وطأة الضغوط الأمريكية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version