يتعرض وقف إطلاق النار الهش، المستمر منذ 8 أبريل/نيسان، لاختبار قاسٍ بعد تحوّل مياه مضيق هرمز إلى ساحة اشتباك مباشر بين الولايات المتحدة وإيران. الشرارة انطلقت مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن “مشروع الحرية”، وهو تحرك عسكري غُلّف بطابع “إنساني” لفتح مسار للسفن العالقة في الخليج، في ظل حصار بحري أمريكي على الموانئ الإيرانية مفروض منذ 13 أبريل/نيسان.
روايتان متناقضتان
شهد يوم الاثنين مواجهة بحرية تضاربت حولها الروايات بشكل واضح. أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) نجاح مدمرتين في مرافقة سفينتين تجاريتين ترفعان العلم الأمريكي عبر المضيق، فيما أكدت شركة ميرسك عبور سفينة “ألايانس فيرفاكس”. وأكدت الولايات المتحدة تدمير 6 زوارق إيرانية (رفعها ترامب لاحقًا إلى 7)، واعتراض مسيّرات وصواريخ كروز حاولت استهداف السفن المدنية.
من جانبها، نفت طهران إصابة أي من زوارق الحرس الثوري، لكنها اتهمت واشنطن بمهاجمة قاربين مدنيين بين عُمان وإيران، مما أسفر عن مقتل 5 ركاب. كما قالت طهران إنها أطلقت النار على سفينة حربية أمريكية وأجبرتها على التراجع، وهو ما نفته واشنطن.
اختناق ملاحي وخريطة جديدة
تُظهر خرائط حركة السفن عبور السفينة “ألايانس فيرفاكس” تحت مرافقة عسكرية، في وقت تتحدث فيه التقارير عن تكدس نحو 60 سفينة قبالة سواحل دبي، اضطرت إلى التراجع والتموضع بعيدًا عن مناطق العمليات. تقدر منظمات دولية وجود نحو 22500 بحار على متن 1550 سفينة من 87 دولة عالقة في مياه الخليج.
لم يقتصر التوتر على المضيق، فقد قالت الإمارات إنها تعرضت لهجوم بـ 15 صاروخًا و4 طائرات مسيرة قادمة من إيران، أدى إلى حريق في منشأة نفطية بالفجيرة وإصابة 3 مدنيين. ترافق ذلك مع نشر إيران خريطة توسع نطاق سيطرتها لتشمل أجزاء من ساحل الإمارات، في تلويح بحصار بحري شبه كامل.
تحليل المشهد
يشير الخبير العسكري العميد حسن جوني إلى أن الطرح الإيراني الجديد يقوم على اعتبار المضيق جزءًا من الجغرافيا الإيرانية بما يمنحهم حق مراقبة السفن. ويرى أن التحدي الأكبر لـ”مشروع الحرية” هو أن مئات السفن وشركات الشحن والتأمين لا تزال ترفض العبور وتعتبر المضيق خطرًا.
من جانبه، يرى اللواء محمد عبد الواحد، الخبير في الأمن البحري، أن واشنطن تسعى لـ”فتح جزئي” لمنع إيران من تكريس الإغلاق. ويوضح أن إيران تعتمد تكتيك إلحاق أضرار محدودة بوسائل منخفضة التكلفة لتحقيق أثر نفسي وعملياتي.
يشير الباحث السياسي سليم زخور إلى أن التحرك الأمريكي يسير في مسارين: ميداني عبر “مشروع الحرية”، ودبلوماسي عبر السعي لإعادة تشكيل تحالف دولي لتأمين الملاحة ومشروع قرار يُناقش في الأمم المتحدة.
المسار الدبلوماسي
قدمت إيران مقترحًا من 14 بندًا يُرجئ ملفها النووي إلى ما بعد إنهاء الحرب، لكن ترامب يميل لرفضه، مطالبًا بنقل مخزون اليورانيوم المخصب أولًا. وفي تحرك موازٍ، توجه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين لإجراء محادثات مع نظيره الصيني.
يؤكد الباحث الإيراني محمد صالح صدقيان للجزيرة ضرورة الاحتكام لـ”الواقعية السياسية” للذهاب إلى مفاوضات. ويشير إلى أن ترامب يريد صفقة قائمة على مبدأ “رابح-رابح”، مضيفًا: “لو استطاع ترامب تحييد نتنياهو لمدة شهر.. سيصل لصفقة مهمة”.
السيناريوهات: إلى أين يتجه المضيق؟
تتأرجح الأزمة بين ثلاثة سيناريوهات. الأول هو “الفتح الجزئي المُدار” حيث تنجح واشنطن في إخراج عدد محدود من السفن تحت حماية مكثفة، بينما تواصل إيران مناوشاتها منخفضة التكلفة. الثاني هو “العودة للحرب المفتوحة” نتيجة لخطأ في الحسابات، أو استهداف مميت لسفينة أمريكية. أما السيناريو الثالث فهو “الاختراق الدبلوماسي” الذي قد يؤدي إلى تسوية سياسية توقف التصعيد.



