الوقت المناسب للوداع: رسالة جيفري إبستين تزيد الغموض حول وفاته
أثارت رسالة خطها جيفري إبستين في زنزانته، والتي حملت عبارة “الوقت المناسب للوداع”، جدلاً واسعاً وتكهنات جديدة حول ظروف وفاته الغامضة. فعوضاً عن إنهاء التساؤلات، تحولت هذه الرسالة، التي كُشف النقاب عنها مؤخراً، إلى دليل إدانة إضافي في نظر المشككين، الذين يرون في توقيتها ومحتواها محاولة للتستر على شبكة واسعة من الأسرار التي تخص نخبة عالمية. وبين رواية رسمية الانتحار وإهمال إداري، وجسد يحمل علامات تشير لروايات أخرى، تتصاعد التساؤلات حول بقاء هذه الرسالة حبيسة الأدراج كل هذه الفترة، وقدرتها على الصمود أمام سلسلة من “المصادفات” التقنية والأمنية التي شهدتها تلك الليلة.
في هذا التقرير، نعيد قراءة المشهد من زاوية الجمهور والصحافة التي لم تقنعها “سردية الانتحار”، ونبحث في الثغرات التي جعلت من “رسالة الوداع” مجرد حبر إضافي على ملف لا يزال ينزف بالأسئلة في ظل تعدد الروايات حول وفاته. القضية تظل مفتوحة أمام التحقيقات المستمرة والفضول العام.
اعترافات رسمية بتهيئة ظروف الوفاة
على الرغم من أن ظهور “رسالة الوداع” كان من المفترض أن يغلق القوس، إلا أن تقرير المفتش العام الصادر في عام 2023 جعل المهمة شبه مستحيلة؛ فالتقرير الذي أدان “إعدادات الكاميرات المعيبة”، رسم صورة لسجن فاقد للسيطرة الإدارية.
وفقًا لتقرير المفتش العام لوزارة العدل، فإن وفاة جيفري إبستين لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل نتيجة لـ”إخفاقات وإهمال جسيم” و”سوء سلوك” من جانب موظفي سجن مانهاتن. وخلص التقرير بوضوح إلى أن هذه الأخطاء الفادحة هي التي خلقت الموقف الذي “أتاح لإبستين الفرصة لإنهاء حياته”.
ولا يمكن إغفال مشاكل هيكلية تكررت في مرافق سجون فدرالية أخرى، من بينها “إعدادات كاميرات المراقبة المعيبة”، ونقص التوظيف، وسوء الإدارة، والتعامل غير اللائق مع السجناء المعرضين لخطر الانتحار. أقر المفتش العام مايكل هورويتز بأن إخفاقات مكتب السجون لم تكن تقصيراً في الحماية فحسب، بل إنها “أدت إلى تساؤلات حول الظروف المحيطة بوفاة إبستين” وحرمت ضحاياه من العدالة الجنائية.
كاميرات معطلة وتزوير على بُعد 15 قدماً
لا يمكن قراءة الوثائق الجديدة المسربة في 2026 دون العودة إلى “خطيئة التأسيس” التي وثقتها سجلات عام 2019؛ فحينها، لم تكن شكوك الجمهور مجرد “نظرية مؤامرة”، بل كانت مستندة إلى سلسلة من “الأخطاء” التقنية والإدارية التي ربما تتجاوز منطق الإهمال لتصل إلى حد التزوير المتعمد.
كشف المدعي الفدرالي جيفري بيرمان أن 5 ساعات من لقطات الكاميرا الموجودة خارج زنزانة إبستين ليلة محاولة انتحاره الأولى (22-23 يوليو 2019) قد فُقدت تماماً. وبررت الحكومة ذلك بأن إدارة السجن احتفظت “عن طريق الخطأ” بفيديو من طابق (جناح) خاطئ، تزامناً مع فشل نظام النسخ الاحتياطي في وحدة الإسكان الخاصة نتيجة “أخطاء تقنية”.
وُجهت تهم فدرالية للضابطين المسؤولين عن مراقبة إبستين (توفا نويل ومايكل توماس) بتهمة التآمر وصنع سجلات مزورة للإيهام بالقيام بواجباتهما الرقابية. وقد اعترف الحارسان رسمياً بأنهما “زورا سجلات المراقبة عمداً وعن علم”، حيث قاما بملء استمارات توحي بإجراء جولات تفقدية دورية، بينما كشفت التحقيقات أنهما كانا يجلسان على مكتب لا يبعد سوى 15 قدماً (أقل من 5 أمتار) عن زنزانة إبستين. بدلاً من المراقبة، قضى الحارسان وقتهما في التسوق عبر الإنترنت لشراء الأثاث والدراجات النارية، بل وغرقا في النوم لمدة ساعتين متواصلتين في تلك الليلة المفصلية، وهو ما اعتبره الادعاء العام “إضعافاً للوظائف القانونية للسجن”.
رغم جسامة الاتهامات وتزوير السجلات في قضية هزت الرأي العام العالمي، نجح الحارسان في إبرام صفقة مع وزارة العدل تجنبا بموجبها دخول السجن تماماً مقابل الخدمة المجتمعية والتعاون، وهي الصفقة التي طرحت تساؤلات حول طبيعة “التعاون” الذي قُدم مقابل حريتهما. وصف جو روخاس، المسؤول في نقابة ضباط السجون، هذه الإخفاقات بأنها نتيجة “المحسوبية” وعدم الكفاءة التي تتطلب استئصالاً جذرياً، فيما أشار تقرير الكونغرس إلى أن “السلوك السيئ يتم تجاهله أو التستر عليه بشكل منتظم” داخل السجون الفدرالية، مما يجعل من تزوير السجلات ليلة وفاة إبستين جزءاً من نمط أوسع، وليس مجرد حادثة معزولة.
لغز الرسالة المخبأة
كشفت الوثائق القضائية المفرج عنها بقرار من القاضي كينيث كاراس في عام 2026، بعد سنوات من حفظها في “خزنة المحكمة”، عن تفاصيل جديدة، لكنها لم تفلح على ما يبدو في إسكات المشككين. فقد كُشف النقاب عن رسالة زعم زميل إبستين السابق (القاتل المدان نيكولاس تارتاغليوني) أنه وجدها داخل “كتاب” بعد محاولة الانتحار في يوليو 2019. الرسالة التي ورد فيها: “لقد حققوا معي لمدة شهر.. لم يجدوا شيئاً” و”إنه لمن الممتع اختيار الوقت المناسب للوداع”، ظلت مخفية ولم تُذكر أبداً في التقارير الحكومية المطولة حول وفاة إبستين.
لكن هذه الرسالة بما تحملها من عبارات قُرئت باعتبارها إيذاناً بالانتحار تتعارض مع فحوى مذكرة في ملفات وزارة العدل تظهر أن إبستين أبلغ ضابطاً في السجن رسمياً بأنه يعتقد أن زميله تارتاغليوني “حاول قتله” خلال حادثة يوليو، وهو ما يفسر علامات الاحتكاك والتهيج التي ظهرت على رقبته حينها.
وفقاً لسجلات السجن، نفى إبستين صراحة محاولته إيذاء نفسه، مؤكداً لطبيب نفسي أن الانتحار يتعارض مع دينه اليهودي، ووصف نفسه بأنه “جبان” لا يحب الألم، مما يضع علامات استفهام حول دوافعه للانتحار لاحقاً. يؤكد المسؤولون أنهم عثروا عند وفاة إبستين في أغسطس 2019 على ملاحظة مكتوبة بخط يده، لكنها لم تكن رسالة انتحار، بل كانت “قائمة تظلمات” تشكو من ظروف السجن، بما في ذلك نوعية الطعام، ومشاكل الاستحمام، وانتشار “الحشرات” (البق) في زنزانته، مما يعكس انشغالاً كاملاً بتفاصيل الحياة اليومية حتى لحظاته الأخيرة.
جهود قانونية أم محاولات تستر؟
وسط هذا الغموض، تبرز تساؤلات حول دور وزارة العدل التي أكدت أنها لم تطلع على الرسالة المسربة إلا مؤخراً، رغم إجرائها مراجعة شاملة شملت 3 ملايين صفحة من الوثائق؛ وهو ما يطرح علامة استفهام: كيف لرسالة بهذا الثقل أن تضيع بين ملايين الأوراق؟
تقدم المدعون الفدراليون بطلب رسمي للقاضي كينيث كاراس لرفع السرية عن الوثيقة، معتبرين أنه لم يعد هناك مبرر لحجبها بعد تداول تفاصيلها إعلامياً، وهو القرار الذي قد يفتح فصلاً جديداً في ملف لا يزال يثير جدلاً واسعاً. يتزامن هذا الحراك القانوني مع تصاعد الغضب الشعبي ضد ما يوصف بـ”محاولات التستر”، حيث لم تعتقل السلطات أياً من المسؤولين والشخصيات النافذة المذكورة أسماؤهم في ملفات إبستين، رغم الكشف مؤخراً عن موجة جديدة من الانتهاكات الجنسية التي تعرض لها رجال ونساء في مزرعة الملياردير الراحل.
وفي نهاية المطاف، تظل كلمات الوداع حبراً على ورق في ملف تملؤه الثقوب، كما أن الصفقات القضائية التي منحت الحراس حريتهم، والكاميرات التي “أخطأت” الطابق، والرسائل التي ظهرت بعد سنوات من الصمت، كلها تشير إلى حقيقة واحدة: أن صندوق أسرار إبستين قد دُفن معه، وأن الرواية الرسمية لا تزال تعجز عن تفسير كيف يمكن لـ”سلسلة من المصادفات” أن تجتمع كلها في ليلة واحدة، لتنهي حياة الرجل الذي كان يملك مفاتيح أسرار الكبار، تاركاً أسئلة كبرى بلا إجابات.

